عالم ترامب.. سوق مفتوحة للابتزاز والصفقات

بقلم: أحمد عبد الرحمن..
آثرتُ أنْ أتريّث في الكتابة أو التعليق على حديث الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب المتعلّق بقطاع غزة المدمّر والمنكوب، ورغبته في دفع سكّانه للهجرة “الطوعية” منه إفساحاً للمجال أمام عمليات الإعمار الكبيرة التي يحتاجها بحسب زعمه، إذ إنّ هكذا تصريحات مثيرة للجدل بحاجة إلى بعض الوقت للوقوف على أسبابها ودوافعها، والأهداف المراد تحقيقها من ورائها.
في الولايات المتحدة كما في الكثير من دول العالم يُنظر إلى الرئيس ترامب بأنه مختلّ عقلياً، ومريض نفسياً، وهذا الأمر يراه البعض كافياً لصدور مثل هكذا تصريح، إلى جانب التصريحات الأخرى التي صدرت عنه خلال الأسابيع الأخيرة.
في ولايته الأولى في العام 2016 قام 27 خبيراً وطبيباً نفسياً بتحليل شخصية الرئيس الأميركي، وقد أجمعوا حينها على أنه يعاني مشكلات عصبية ونفسية متعددة، كان من بينها الانهيار العصبي، والنرجسية المفرطة، والانقياد التامّ لآراء مستشاريه المقرّبين، وغير ذلك من المشكلات، وهو الأمر الذي أشار إليه أيضاً كتاب “الخوف” لبوب وودوارد، وكتاب “مايكل وولف” الذي حمل اسم “النار والغضب”، والذي بدوره قدّم تصوّراً مشابهاً ويكاد يكون مطابقاً لسابقه.
في الأسابيع الماضية، وحتى قبل تولّيه منصب الرئاسة بشكل رسمي صدرت عن الرئيس الأميركي الجديد والمثير للجدل دونالد ترامب العديد من القرارات والتشريعات، بالإضافة إلى عشرات التصريحات، والتي أثارت لغطاً كبيراً وغير مسبوق، بسبب تناولها قضايا شائكة وحسّاسة تمسّ في بعضها سيادة دول مستقلّة مثل كندا وبنما، وفي البعض الآخر منها تناقض القانون الدولي بكلّ ما للكلمة من معنى، بل وتضرب عُرضَ الحائط كلّ الأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها، والتي تجرّم وتمنع الاستيلاء أو السيطرة على أراضي الغير أو مواردهم أو منشآتهم بالقوة.
من أكثر التصريحات التي أثارت جدلاً واستنكاراً ورفضاً عالمياً وإقليمياً التصريح المتعلّق بفرض وصاية طويلة الأمد على قطاع غزة، إلى جانب إبداء الرغبة الواضحة والصريحة في تهجير سكّانه الذين يزيد عددهم عن المليونين وربع المليون نسمة، يعيشون في مساحة جغرافية صغيرة للغاية لا تكاد تتجاوز الـ362 كلم2، بحجة إعادة إعماره بعد ما أصابه من دمار وخراب هائلين نتيجة العدوان الصهيوني الواسع الذي استمرّ طيلة خمسة عشر شهراً.
بالرجوع إلى بعض الدراسات والتقارير الصادرة عن مراكز بحث مختصة، يمكننا أن نرى حجم وأهمية تلك المؤسسات، ومدى تأثيرها على عملية صنع القرار في الولايات المتحدة، سنشير فيما يلي وباختصار إلى بعضها:
1. الأجهزة الأمنية والعسكرية: وتشمل أجهزة المخابرات، ووكالات الاستخبارات، والمؤسسات الأمنية والعسكرية، والتي غالباً ما يكون لها نفوذ قوي في السياسات المتعلقة بالأمن القومي.
2. الشركات متعدّدة الجنسيات: إذ تؤدّي هذه الشركات الكبرى، إلى جانب البنوك دوراً مهماً في التأثير على السياسات الاقتصادية والتجارية من خلال التمويل والضغوط الاقتصادية.
3. القضاء والبيروقراطية: يعتمد النظام القضائي والمستويات البيروقراطية العليا على استمرارية المؤسسات والأنظمة القائمة، وقد تؤثّر على السياسات بطرق غير مرئية.
4. المؤسسات الإعلامية: والتي بدورها تعمل إلى جانب مراكز الأبحاث التي تدعمها جهات نافذة على تشكيل الرأي العامّ بما يتماشى مع أجنداتها الخاصة، وتوجيه النقاشات السياسية.
ما سبق من مؤسسات، إضافة إلى أخرى لا يتسّع المجال لذكرها، تقوم بدور مهم ربما يفوق في بعض الأحيان دور الرئيس نفسه في رسم السياسات الاستراتيجية للإمبراطورية الأميركية، وتعمل على تشكيل وصياغة السياسات قصيرة وطويلة الأمد بعدة طرق منها:
التحكّم بالقرارات الأمنية والسياسية المتعلّقة بالعلاقات الدولية والتدخّلات العسكرية، والتأثير على السياسة الاقتصادية من خلال الشركات الكبرى والبنوك، التي تستخدم اللوبيات والتبرّعات السياسية، بالإضافة إلى توجيه الإعلام والرأي العامّ وتشكيل سردية معيّنة تخدم مصالحها.
ختاماً يمكننا القول إنه وبغض النظر عمّا إذا كان هذا التوجّه “الترامبي” سيتحوّل إلى حقيقة واقعة أم لا، فإنّ شعبنا الفلسطيني بكلّ أطيافه، وتوجّهاته، سيرفضه بكلّ قوة، ولن يسمح له بالمرور مهما كلّف ذلك من ثمن، فهذه الأرض التي عُمّدت بدماء وأشلاء عشرات آلاف الشهداء خلال تأريخها الطويل، والتي تسيّجها تضحيات هائلة ما زالت تُقدّم على مذبح الحرية والاستقلال حتى الآن.
هذه الأرض لن تكون في يوم من الأيام الأرض البور التي تنعق فوقها غربان شُذّاذ الآفاق من المتطرّفين والمجرمين، وإنها ستنهض رغم حجم الدمار الهائل من جديد، لتعيد بناء ما دمّره الاحتلال، ولتثبت مرة أخرى للعدو والصديق أنّ بإمكان الكفّ الفلسطيني أن ينتصر على مخرز بني إسرائيل، وأنّ الدم بإمكانه أن يهزم السيف، حتى لو كان السيف عبارة عن رئيس أمريكي أحمق ومتطرّف أو دولة عميقة تديرها مجموعة من اللصوص والمجرمين.



