اراء

الديمقراطية الأمريكية المستبدة لم تعد مصدر إلهام للشعوب المعذبة

بقلم: الدكتور أنيس الخصاونة..

لطالما تطلعت الشعوب في الدول النامية الى التجربة الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية على انها سمة سياسية حضارية تحول دون استبداد رئيس أو سلطة سياسية وتفردها بالحكم، ومن أجل ذلك، تضمّن الدستور الأمريكي نصوصاً تؤكد توزيع السلطات ورقابة كل سلطة على السلطات الأخرى، كما تضمن إجراءات لمساءلة الرؤساء وكبار المسؤولين عن قراراتهم وأفعالهم، ناهيك عن تأكيد الدستور على احترام حقوق الانسان وتعزيزها داخلياً وخارجياً.

يتساءل المرء أمام الموقف الأمريكي من العدوان على غزة واصطفاف الإدارة الأمريكية المتحيز مع اسرائيل وتزويدها بكل آليات ووسائل القتل والتدمير لا بل ومشاركة القوات الأمريكية في العدوان. إبان هذه الحرب جرت الانتخابات الرئاسية والتشريعية الامريكية وفاز الرئيس دونالد ترامب وحزبه بهذه الانتخابات. كنا نعتقد ان الشعارات التي رفعها ترامب قبل الانتخابات هدفها حشد الاصوات وأنه في حالة الفوز تتراجع الشعارات أمام الوقائع والحقائق على الارض، إلا ان القرارات المتسرعة والصادمة التي اتخذها الرئيس ترامب وضعت إشارات استفهام كبيرة حول مجمل الديمقراطية الامريكية التي أفرزت شخصية نرجسية مستبدة لا ترقى ان تكون في موقع رئيس لأقوى دولة في العالم.

يذهل المرء وهو يشاهد الرئيس ترامب يتحدث بأسلوب طفولي نرجسي وهو يمتدح نفسه على الطالع والنازل ويتكلم بطريقة يشوبها بعض العشوائية، وخصوصا عندما يتعلق الامر بدول أخرى. هاجم ترامب عشية فوزه بالانتخابات دول كثيرة داعيا كندا لتصبح الولاية الامريكية 51، علما بأن مساحة كندا أكبر بكثير من مساحة أمريكا، وهدد باحتلال غرينلاند وقناة بنما كما منح نتنياهو أضعاف مما حلم به من سلاح ودعم غير مسبوق ودعمه لتهجير كل سكان غزة خارج أرضهم واختار دول المهجر لهم. هذه السلوكيات والتصرفات تجعلنا نتساءل هل هذا الشخص سوي، علما ان تأريخه يؤشر الى انه غير ذلك؟ وإذا كانت الاجابة بالنفي فإن السؤال الأكبر كيف يمكن لمثل هذه الشخصية الجدلية وغير المستقرة وغير الأخلاقية كيف يمكن ان يتم انتخابها من قبل 72 مليون أمريكي. قبل بضع سنوات وبحكم انني شغلت موقع نائب رئيس في إحدى الجامعات الاردنية التقيت وفدا أمريكيا يهدف الى تعزيز العلاقات الثقافية مع المؤسسات الجامعية الاردنية وعلى هامش اللقاء سألني أحد اعضاء الوفد عن أبرز الاسئلة التي يمكن أن يتعرض لها الطلبة الامريكيون الدراسون في الجامعات الاردنية ضمن برنامج التبادل الثقافي من زملائهم الأردنيين. أجبته بأن السؤال الأول والأهم يتمحور حول هذا التحيز الأمريكي السافر مع السياسات الاسرائيلية غير الانسانية في الاراضي الفلسطينية ومصادرة الاراضي والقتل والقمع فكيف ينسجم ذلك مع الادعاء الامريكي بدعم حقوق الانسان والديمقراطية وحق الدفاع عن النفس…الخ. أما السؤال الثاني فهو كيف يمكن لدولة عظمى وتدعي الحضارة والقوة والرقي أن ينتخب شعبها شخصاً غير سوي وغير مستقر ونرجسي ومحكوم بقضايا عديدة ويعترف بأنه لا يسيطر على نفسه أمام النساء كيف يمكن ان ينتخبه غالبية الشعب الأمريكي؟. أجابني أعضاء الوفد “جمهوريين وديمقراطيين” بأن العلاقة مع اسرائيل علاقة مصالح واسرائيل هي ذراع الولايات المتحدة في المنطقة ولها رصيد هائل من الدعم من اليهود ومنظماتهم المتعددة في أمريكا. أم السؤال الثاني فلا تتوفر لدينا إجابة عنه ونحن من كلا الحزبين نستغرب كيف لديمقراطيتنا ان تفرز مثل هكذا رئيس؟.

لم تعد الديمقراطية الامريكية مصدر إلهام ليس لشعوب الدول النامية فحسب، ولكن لشعوب دول أوروبية كثيرة باتت تنظر بازدراء للديمقراطية الامريكية التي افرزت رئيساً مثل دونالد ترامب الذي يفرض عقوبات على منظمات الامم المتحدة مثل المحكمة الجنائية الدولية والأونروا وينسحب من منظمة الصحة العالمية ومجلس حقوق الانسان وغيرها، ويسعى لتهجير شعب كامل من أرضه ووضع اليد عليها من قبل أمريكا. لو كان مثل ترامب في دولة نامية في افريقيا أو اسيا أو امريكا الجنوبية فليست له فرصة للوصول لموقع رئيس ولا حتى بالانقلابات. وجود ترامب في موقع الرئاسة الأمريكية سيشكل علامة فارقة سلبية ومؤشر على نكوص الديمقراطية وانحدارها وربما سيكون بداية لانحدار الدور القيادي للولايات المتحدة الامريكية.

نعتقد ان الحضارات في نشوؤها وتطورها تصل الى الذروة في مراحل متقدمة لكنها تبدأ بالأفول والتراجع ولنا في إمبراطوريات الروم والألمان والاتحاد السوفياتي وغيرها خير مثال على ذلك وأمريكا لن تكون استثناء فقد كثرت غطرستها واستبدادها، ويبدو ان الله قيض لها ترامب ليقودها للهاوية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى