اراء

كيف يمكن تحقيق الاستفادة القصوى من قرار الجنائية الدولية بتوقيف نتنياهو؟

بقلم: السيد شبل..

ربما من المنطقي أن تخيّم حالة من القلق على الأوساط السياسية داخل “إسرائيل”، بعد أن قرّرت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بهولندا، إصدار مذكّرتي اعتقال بحقّ رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، بموجب اتهامات تتعلّق بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة، لكن ما ينتفي عنه المنطق، أن يكون ردّ فعل الأوساط العسكرية الإسرائيلية، هو مزيد من العدوان والتصعيد الحربي، اتكاءً على الدعم الأمريكي غير المشروط.

فبحسب القانون الدولي، فإنه يجب على أية دولة وقّعت على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (ICC) اعتقال رئيس الوزراء نتنياهو؛ وتضمّ القائمة 124 دولة، منها 33 من أفريقيا، و19 من دول آسيا والمحيط الهادئ، ومثلهم من أوروبا الشرقية، و28 من دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، و25 من دول أوروبا الغربية ودول أخرى، لكن القائمة لا تشمل روسيا والصين والولايات المتحدة، وكذلك “إسرائيل”.

في ضوء الموقف الدولي المُعقّد، ومحدودية سلطات المحكمة الجنائية الدولية، وبالنظر إلى التوجّه الأمريكي الرافض لأيّ نوع من المساس بالمسؤولين الإسرائيليين، إلى حدّ استخدام حقّ النقض “الفيتو” مرة جديدة منذ أيام قليلة لإفشال مشروع قرار في مجلس الأمن لوقف إطلاق النار بغزة، فإن القرار الأخير بتوقيف نتنياهو وغالانت لن يُحدث فارقاً كبيراً على مستوى ميدان الحرب، لكنّ أثره السياسي والمعنوي كبير وسيتعاظم بمرور الوقت، وهي المعادلة التي وعتها الأوساط الإسرائيلية، وتعاطَت معها بحسب موقعها.

عُزلة “إسرائيل” وانهيار النموذج

أشدّ ما يثير حنق الساسة الإسرائيليين اليوم، أن “بلادهم” لم تعد “محبوبة” في العالم الغربي، كما لم تعد تمثّل ذلك النموذج اللامع في الأمن والصعود الاقتصادي، مثلما كان الحال طوال العقود السابقة، فـ”إسرائيل” التي تمّ تصويرها للعالم باعتبارها واحة آمنة لضحايا النازية التي هي امتداد لفترات طويلة من التطرف القومي الأوروبي، باتت الآن في نظر الشارع الأوروبي عبارة عن كيان وحشي متعطّش لدماء الفلسطينيين، وينتهك القوانين الدولية كافة، والإشكال أنه رغم كل هذا الجبروت العسكري، فإن “الجيش” غير قادر على توفير الأمان لـ”المواطنين”، في ظل استمرار فصائل المقاومة في توجيه صواريخها إلى كل بقعة داخل “إسرائيل”، التي باتت تعاني بدورها من تدهور عامّ غير مسبوق.

كيف يمكن أن يستفيد العرب من قرار الجنائية الدولية؟

منذ أن نفّذت قوات الاحتلال عمليتها العسكرية ضد قطاع غزة، والكيان الإسرائيلي يتعرّض لضغوط من مختلف دول العالم للمطالبة بإيقاف الحرب، وقد استمرّ الناشطون الغربيون في التظاهر لشهور عديدة رفضاً للعدوان، ومن شأن خطوة المحكمة الجنائية الدولية، أن تعمّق من عزلة “إسرائيل”، وتؤدي إلى إلحاق مزيد من الأذى بصورتها في مختلف الأوساط الدولية، وضمن تلك المساحة تكون الفرصة مواتية أمام الدول العربية، لتوظيف ما يجري بهدف جلب مزيد من الأنصار لصالح القضية الفلسطينية. ويمكن تعظيم الاستفادة الفلسطينية من قرار الجنائية الدولية عبر السبل الآتية:

أولاً، تعزيز الموقف القانوني للشعب الفلسطيني: يمكن للقرار أن يدعم الجهود الفلسطينية في ملاحقة المسؤولين الإسرائيليين عن الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطينيين، مثل الاستيطان غير القانوني، والحصار المفروض على غزة، والاعتداءات المتواصلة.

وفي حال أصبح القرار نافذاً، سيشكّل ذلك سابقة قانونية تتيح للفلسطينيين تقديم المزيد من الشكاوى ضد القيادات الإسرائيلية حتى لو لم تكن قد غادرت موقعها في السلطة.

ثانياً، تأثير دبلوماسي على السياسة الخارجية لحكومة الاحتلال: من شأن القرار أن يفاقم من عزلة “إسرائيل” دولياً، حيث ستواجه ضغوطاً من الدول الـ 124 التي تعترف بالمحكمة الجنائية الدولية، كما أنه سيؤثّر كذلك على تحرّكات المسؤولين الإسرائيليين على الصعيد الدولي، حيث سيضطرون إلى تجنّب زيارة دول تعترف باختصاص المحكمة، خوفاً من تنفيذ قرار الاعتقال.

ومن المعلوم أنه خلال الشهور الماضية، قامت أكثر من 20 جامعة في أوروبا وكندا بقطع علاقاتها مع المؤسسات الإسرائيلية، كما قرّرت العديد من المعارض التجارية استبعاد الشركات الإسرائيلية، وفي الآونة الأخيرة تم رفض منح دخول وزيرة العدل السابقة، أيليت شاكيد، تأشيرة دخول إلى أستراليا.

ثالثاً، تركيز الضوء على المعاناة الإنسانية للشعب الفلسطيني: يمكن أن يستخدم القرار، لتسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين وجرائم الاحتلال، ما يعزّز الحملة الإعلامية والدبلوماسية الفلسطينية، لكسب تأييد الشعوب بشكل أساسي، ما يشكّل ركيزة للضغط على الحكومات.

رابعاً، العمل على توسيع دائرة الاتهام: قرار المحكمة يعني أنها اقتنعت بأن ما جرى في قطاع غزة هو بالفعل جرائم حرب، تشمل التجويع والتعطيش وحرمان الناس من العلاج، والقتل الجماعي. في هذه القضايا يوجد متهمان كبيران هما نتنياهو وغالانت، ولكن يوجد وسطاء لتنفيذ القرارات. والمنفّذون هم ألوف الجنود والضباط الذين نشروا صوراً في وسائل التواصل الاجتماعي يتباهون فيها بممارساتهم الوحشية ضد الفلسطينيين.

وكل واحد من هؤلاء يمكن اعتقاله بقرار من أيّة محكمة في أيّة دولة يصل إليها، في حال قُدّمت شكوى ضده، ويمكن للهيآت العربية التعاون مع الناشطين والمتطوّعين من مختلف دول العالم لتقديم شكاوى ضد هؤلاء، بحيث يصبح ضباط وجنود الاحتلال مطاردين خارج “إسرائيل”.

خامساً، الضغط على الدول المتعاونة مع “إسرائيل”: يمكن للعرب الاستفادة من القرار عبر زيادة الضغط على حلفاء “تل أبيب”، خاصة في القارة الأوروبية، لتغيير سياساتهم أو تقليل دعمهم لها، استناداً إلى مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي.

سادساً، تعزيز موقف المقاومة: فاستناداً إلى تلك الإدانة الدولية لممارسات حكومة الاحتلال، يمكن لوسائل الإعلام العربية، التكثيف من حجم المواد المنشورة دفاعاً عن المقاومة وشرعيّة وجودها. فثمة احتلال يرتكب المجازر بحقّ أصحاب الأرض من الفلسطينيين، وبالتالي فإن صور المقاومة كافة، بما يشمل النمط المسلح، هي مقاومة مشروعة، ولابدّ أن تحظى بالقبول الدولي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى