عالم الإسلام متماثل اجتماعيا وثقافيا

حكمت السيد صاحب البخاتي..
لقد دأبت أقلام المستشرقين وأفكارهم وتبعهم المفكرون والكتاب الأوربيون على تحديد عالم الإسلام تأريخيا وجغرافيا في مفهوم واحد وهوية واحدة ولم يكن يصدر أولئك عن فراغ في الاستدلالات على ما ذهبوا إليه وصنعوا عنه رؤية واحدة تكاد أن تهيمن على الذهن الغربي باعتباره تأريخيا عالما مقابلا للعالم الإسلام، لقد تحول اكتشاف الشرق من خلال الإسلام الى أيديولوجيا تحفر أفكارها بالذهن الغربي في ثنائية الشرق–الغرب.
بل إن ظهور مصطلح المستشرقين وتطوره لاحقا الى مصطلح الاستشراق جاء في مجريات ذلك التحول الأيديولوجي في مفهوم الشرق عند الغربيين لا سيما مع التخصص الأكاديمي والفكري في الاستشراق وموضوعه الإسلام منظورا إليه في عالم الشرق، وحقيقة امتزاج الشرق بالإسلام في عالم الإسلام راسخة تأريخيا وجغرافيا وثقافيا وهي تكشف عن تماثل عالم الإسلام في كل أطواره وأدواره التأريخية والثقافية، ولابد من التنويه هنا بأن تلك القراءة من جانبنا توظيفية فيما كتبه (إرنست غيلنّر) وهدف تلك القراءة هو كشف صور التماثل التأريخي والثقافي في عالم الإسلام.
ويبدو أن الذكاء الغربي كان دقيقا وجادا في اكتشاف تلك العلاقة غير المتوفرة بانتماءات الأديان الأخرى الى مجالاتها الجغرافية والثقافية، فقد أصابت تلك الأديان انتكاسات على صعيد علاقاتها بمجتمعاتها ودولها ولم تعد قادرة على التأثير فيها أو قادرة على حزم قراراتها بوجه التحديات التي واجهتها لا سيما تحديات الحداثة التي أسهمت الى حد بعيد في زيادة ضمورها وتراجعها، يقول غيلّنر (كانت أربع حضارات رئيسية لا تزال موجودة في نهاية العصور الوسطى وقد يكون الإسلام وحده من بينها هو الذي تمكن من الحفاظ على عقيدته التي كانت سائدة في فترة ما قبل الصناعة بالعالم الحديث، فالعقيدة المسيحية قد أعيد تفسيرها وتكييفها بحيث يصعب التعرف إليها، فاللاهوت المسيحي المحدث بمحتواه المائع أقوى شاهد على أطروحة العلمنة أكثر من أي عقلانية ظاهرة ولقد أنكرت الكنفوشيوسية في وطنها بصرف النظر عن مقدار ما يمكن تتبعه من بقايا روحها وبقيت الهندوسية كدين شعبي لا يُحتفى به ولا تمنعه النخب في أرضه ووطنه).
وباستثناء الإسلام الذي لم تتمكن الحداثة من اختراق صلادته أو التأثير عليه في علاقاته المكانية والاجتماعية–الثقافية إلا بقدر محدود وتأثيرات لم تمس صلب أعماقه وأعماق نفوذه وقوته في العالم الإسلامي، وهنا يقول غيلنر (وبقي الإسلام وحسبُ عقيدة جادة متغلغلة في التقليد الشعبي والتقليد الراقي على السواء وتقليده الراقي يمكن تحديثه وعملية التحديث يمكن أن تقدم لا على أنها بدعة أو تنازل للأجانب وإنما على أنها استمرارية وتكملة لحوار قديم داخل الإسلام بين المركز الأرثوذكسي والبدع المنحرفة)، وخلافا لما ذهب إليه غيلنر فإن مجادلة الإسلام مع الحداثة لم تكن ضمن الصراعات الأرثوذكسية ـــ الإسلامية والبدع في كل جوانبها فقد تبنت نظريات إسلامية وأيديولوجيات إسلامية الحوار مع الحداثة ومواجهة تحدياتها استنادا الى التأويلات الإسلامية ومجادلات الاجتهاد والكلام الإسلامي، وقد استطاع الإسلام مواجهة الحداثة في قعر دارها ومحاولته التغلغل في عالم الحداثة وجغرافيا مناطقه في شمال البحر المتوسط وقد عزز تغلغله في أوروبا الفقر الروحي بعد تخلي المسيحية عن أدوارها الدينية والروحانية بعد رحلة تأريخية مريرة أساءت فيها الكنيسة الى أدوارها تلك.
وكانت الإمبراطوريات الاستعمارية الغربية الكبرى في مفتتح القرن العشرين قد سعت الى تفتيت هذا العالم جغرافيا ومن ثم سعت فيه إدارات تلك الإمبراطوريات الى تفتيته تأريخيا وقد جاءت أخيرا محاولات ترعاها دوائر استشراقية وسياسية–أكاديمية إلى تفتيته ثقافيا من أجل إدامة السيطرة عليه وإبقائه أسيرَ ذلك التفتيت الذي مضى عليه ما يقارب المائة عام، وإذا نجحت أوروبا في تفتيت عالم الإسلام سياسيا وإداريا فإنها فشلت ثقافيا واجتماعيا، فقد ظل عالم الإسلام بكل امتداداته يستحضر الإسلام ثقافيا واجتماعيا كأهم عناصر مكونات الهوية العامة في مجتمعاته التي تتعدد فيها هوياته العرقية والمحلية والخيط الرابط فيها في هذا العالم هو الإسلام.
ويظل الإسلام منظورا أساسيا في رؤية الغرب تجاه المجتمعات العربية والإسلامية وخيطا رابطا ومحورا حاسما في فهم تركيبة وطبيعة الشخصية العربية والإسلامية، هذه الشخصية التي لا تعد في شروحاتها وتقييماتها الغربية إلا نسخا مصنوعة عن الدين الذي هو الإسلام حصرا، ورغم أن الوقائع والتصورات من وجهة نظر رجال الإسلام علماءَ وفقهاءَ وأساتذة دينيين وكتّابا يعنون بالشأن الديني–الإسلامي يجدون في هذه الشخصية العربية والإسلامية الحديثة ابتعادا ظاهرا عن الدين وانصرافا الى الدنيا ويجدون أيضا في الأجيال الحديثة تخليا واضحا عن الإسلام الموروث من حقب الأسلاف وقد ترجموا ذلك بالحديث المأثور “بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا”، إلا أن الرؤية الغربية العالمة والشعبية ظلت تركز على محورية الدين وتركيبة الإسلام في تلك الشخصية موضع الدراسة وموضوع البحث الأكاديمي الغربي وهو يؤشر حجم وبعد الشقة في الاختلاف في المنهج وفي الافكار المترتبة على ضوء تلك الدراسات والمواقف.
تماثل عالم الإسلام استنتاجا عن غيلنر:-
لقد تحدث ديفيد شاكلاند أحد تلامذة ارنست غيلنّر صاحب كتاب “مجتمع مسلم” عن منهجية أستاذه في دراسة المجتمع المسلم وفي مقدمة كتابه رأى أنه اعتمد العيش مع الدين في ذلك المجتمع وهو يعني به مجتمع المغرب المسلم ولم يعتمد طريقة دراسته من خلال النصوص وأن استنتاجاته جاءت من خلال الدورة اليومية للحياة الدينية في ذلك المجتمع، لكن غيلنّر كان دقيقا في توصيف ارتباط الإسلام بواقع المجتمعات المسلمة أو على حد عبارته المجتمع المسلم الذي يرى فيه تغلغلا للإسلام منتشرا وواسعا سواءٌ في تقليده الراقي أو تقليده الشعبي، ويعني بتقليده الراقي النخبوية العلمية والاجتماعية في الإسلام أو ما يطلق عليهم الخاصة في التراث الإسلامي والتقليد الشعبي مجموعة الفرق والتصورات الشعبية عن الإسلام أو ما يقابلها في التراث الإسلامي مفهوم العامة، ثم إن الإسلام رابط لكل الحضارات التي أنشأها وقامت على أنقاض حضارات سابقة وصنع إمبراطوريته وحضارته الخاصة به فهو لم يكن منتميا الى حضارة سابقة أو إمبراطورية جاهزة كما هو شأن الديانة المسيحية ولم يتكاسل أو يعجز عن بناء حضاراته الخاصة كما هو شأن الديانة اليهودية، وكل الديانات كانت تنشأ في ظل حضارات وإمبراطوريات سابقة عليها كالبوذية والكنفوشسية والزرادشتية إلا الإسلام فإنه كانت في ظله وتحت سقوفه تنشأ الحضارات الخاصة به.
ويتحدث غيلنّر عن تلك الماهية الدينية في المجتمعات الاسلامية التي تتعلق بالهوية وبالمصير الذي تتطور باتجاهه هذه الماهية أنه بشكل آخر يتحدث عن عالم واحد يمتد من الخليج الى المحيط انه العالم الإسلامي، ويبدو أن حدود بحثه وهوية بحثه الانثربولوجي دعته الى استبدال اسمه بمجتمع مسلم، والمجتمع المسلم وفق غيلنّر او استنتاجا عنه يعمل على استعادة ذاته دائما ولكن ليس بطريقة أو صفة الجمود وعدم الانحلال عن الماضي كما تصوره الانتقادات العلمانية العربية وقبلها الغربية بل عن طريقة او بصفة الالتزام الهوياتي بالماهية الاجتماعية الإسلامية.



