السرديات المضللة حول الصراع بالسودان.. في مرآة العدوان على إيران

بقلم: عباس محمد صالح..
في الآونة الأخيرة، وتحديداً في خضم الحرب الدائرة بالسودان، لوحظ تدفق ملفت لتقارير إعلامية ودراسات ومقالات رأي ومعلومات مضللة صادرة عن خبراء ومراكز أبحاث أو وسائل إعلام دولية أو وسائط واسعة الانتشار، جميعها تسعى للربط بشكل منسق ومتعمد بين الحرب في السودان وبعض المجموعات المحلية من جهة، وبين إيران و”الحرس الثوري الإيراني” من جهة أخرى.
هذه التقارير، التي تصدر عن دوائر إماراتية أو عن جهات يمينية وصهيونية متحالفة معها في الغرب، تركّز على تجريم طرف أساسي مثل القوات المسلحة السودانية أو الأطراف المحلية الداعمة لها، من خلال اتهامها بالارتباط بإيران.
كما يتم -في خضّم الصراع والاستقطاب الداخلي الكبير- توظيف أطراف سياسية محلية أخرى موالية لمشروع أبو ظبي للمساهمة في تعزيز هذه السردية، بهدف تحويل السودان إلى ساحة للصراع بين إيران وخصومها في الشرق الأوسط، وتحديداً محور أبو ظبي- تل أبيب.
طبيعة ومراحل العلاقات بين إيران والسودان
على مدى عقود، ارتبط صعود النظامين في إيران (منذ الثورة الإسلامية 1979) والسودان (منذ ثورة الإنقاذ الوطني 1989) في المخيلة الغربية بظاهرة “الإسلام السياسي” وصعوده المدوي في العالم الإسلامي. وبالتحديد، صُوّرت إيران في الغرب على أنها أول نظام شيعي في العالم الإسلامي يُشكّل تهديداً وجودياً لـ”إسرائيل”، بينما وُصفت تجربة الإسلاميين في السودان (1989-2019) بأنها “أول نظام إسلامي سُني”، وهو ما واجه بدوره مقاومة محلية وإقليمية ودولية لا تنفصل عما يصدر من مواقف وسياسات حالياً.
ورغم التوصيفات “الطائفية” لطبيعة النظامين في طهران والخرطوم، إلا أن تصويرهما كـ”خطر دائم” ظل مسيطراً على الدوائر الغربية والأنظمة العربية في الشرق الأوسط على حد سواء، وقد ازداد التركيز على تضخيم هذا الخطر مجدداً بعد ثورات الربيع العربي عام 2011.
ورغم ذلك، وفي إطار السرديات تُجاه الحرب في السودان، في مرحلة ما بعد حرب الـ 12 يوماً (2025) ثم حرب الأربعين يوماً (مطلع 2026)، ظلت الآلة الدعائية الموجهة تحاول الترويج لوجود علاقات وثيقة بين القيادة السودانية الحالية وإيران، على أمل أن يُسفر مشروع تغيير نظام الحكم في إيران عن نتائج مماثلة بالسودان.
باختصار، ورغم الحملات الدعائية المغرضة، فإن العلاقات بين إيران والسودان مرت بنفس وتيرة علاقات طهران ببقية الدول العربية ودول الخليج عموماً من الشكوك والقطيعة والتعاون والعداء.
ما مغزى الربط بين السودان وإيران؟
لطالما نظرت الإمارات ومحورها الإقليمي إلى السودان -حتى بعد الإطاحة بنظام حكم الإسلاميين عام 2019- على أنه لا يزال يشكل تهديداً، بل إن بروز الإسلاميين مجدداً عقب شن الحرب على السودان في 2023 كان دليلاً آخر على هذا الخطر، وأنهم يشكلون عقبة أمام طموحات أبو ظبي للسيطرة على البلاد ومواردها، تماماً كما تشكل إيران عقبة أمام مشروعها الإقليمي الأوسع في الشرق الأوسط. ورأت أبو ظبي أن الحرب، بدلاً من أن تقضي على الإسلاميين، أعادتهم إلى الواجهة من جديد، فلذا انخرطت في استراتيجية شاملة للتحريض عليهم في الداخل والخارج.
قبل ذلك، ومع صعود مشروع “استئصال الإسلام السياسي” (محور الاعتدال العربي أو محور الثورة المضادة) بعد موجات الربيع العربي (2011)، أصبح يُنظر إلى نظامي الحكم في طهران والخرطوم على أنهما الأخطر. وعطفاً على ذلك، ومن فرط التسييس المبتذل في حملات “تصنيف الإرهاب” وفرض العقوبات على بعض الأطراف في السودان، تبدو مثل هذه التدابير أحياناً غير منطقية وتكمن وراءها أهداف معلومة. ففي أيلول 2025، تم فرض عقوبات على وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم (زعيم حركة “العدل والمساواة” وهي إحدى مكونات “القوة المشتركة”)، بربطه بإيران وفيلق القدس التابع للحرس الثوري، رغم أن الرجل يقود حركة متمردة سابقة ذات خلفيات قبلية.
السودان وإيران في مرآة المشروع الإبراهيمي
يستند “المشروع الإبراهيمي” (الذي تعتبر الإمارات عرّابه الأساسي والساعي لفرضه كنظام إقليمي لـ”الشرق الأوسط الجديد”) إلى ركائز ترى في كل الحركات الإسلامية – سُنية كانت أم شيعية – خطراً يجب القضاء عليه، وبالتالي لا تسامح مع استمرار أنظمة حكم مثل إيران أو قوى ذات خلفية إسلامية قوية مثل تيارات الإسلاميين في السودان.
ونظراً لتشابه النظامين السابقين (في عهد الإنقاذ) في المشتركات الأيديولوجية والسياسية، ومواجهتهما للنظام الإقليمي في الشرق والنظام الدولي المعادي، ودعمهما لقضية فلسطين ورفضهما للتطبيع، فمن الطبيعي أن تكون علاقات الخرطوم وطهران قوية طوال ثلاثة عقود. ولكن نتيجة لضغوط دول الخليج، قام البشير في أواخر سنوات حكمه بقطع العلاقات مع إيران ومن ثم انضم للتحالف العربي في اليمن.



