تصاعد فوضى الدَكّة!

بقلم/ انتصار السراج..
لم تعد المنطقة الفنية في مباريات كرة القدم مجرد مساحة مخصّصة لتوجيه اللاعبين وتنظيم الأداء التكتيكي، بل تحوّلت في كثير من الأحيان إلى بؤرة توتر واحتجاجات مستمرة على قرارات الحكام، هذه الظاهرة التي تتكرّر بشكل لافت في مختلف الدوريات، تعكس أزمة سلوك وانضباط تتجاوز حدود المنافسة الرياضية المشروعة.
فمن أبرز مظاهر هذه الفوضى يتمثل في الاعتراض المبالغ فيه من قبل المدربين وأفراد الطاقم الفني على قرارات الحكم، سواء كانت صحيحة أم مثيرة للجدل. فبدلاً من التركيز على إدارة الفريق داخل الملعب، ينشغل البعض بملاحقة الحكم لفظيًا أو عبر إشارات غاضبة، ما يخلق أجواء مشحونة تمتد آثارها إلى اللاعبين والجماهير على حد سواء.
وقد تكمُنُ خطورة هذه السلوكيات في أنها تُضعف هيبة الحكم، الذي يُفترض أن يكون صاحب القرار النهائي داخل أرضية الملعب فعندما يرى اللاعبون مدربهم يحتج بشكل مستمر، فإن ذلك يمنحهم مبررًا ضمنيًا للتصرف بنفس الطريقة، مما يؤدي إلى زيادة الاعتراضات داخل الملعب وتصاعد حدة التوتر، وربما فقدان السيطرة على مجريات المباراة.
كما أن هذه الفوضى تؤثر سلبًا على جودة المشاهدة، حيث تتحوّل المباريات إلى سلسلة من التوقفات والاحتجاجات بدلاً من الاستمتاع بالأداء الفني والمهاري ويزداد الأمر سوءًا عندما تتطور الاعتراضات إلى مشادات لفظية أو تصرفات غير لائقة، قد تستوجب طرد المدرب أو أحد أفراد جهازه الفني.
ولا يمكن إغفال دور الضغوط النفسية في تغذية هذه الظاهرة فالمباريات الحاسمة، وضغط النتائج، وتوقعات الجماهير، كلها عوامل تدفع بعض المدربين إلى فقدان أعصابهم والتعبير عن غضبهم بطريقة غير منضبطة إلا أن هذا لا يبرر السلوك، بل يسلط الضوء على الحاجة إلى تعزيز ثقافة الانضباط والاحترافية.
وبدأنا نرى أن هذه المشكلة بدأت تتفاقم أيضًا بسبب غياب التطبيق الصارم والمتسق للقوانين ففي بعض المباريات، يتم التساهل مع احتجاجات مبالغ فيها، بينما في مباريات أخرى تتم معاقبة سلوكيات أقل حدة، ما يخلق حالة من عدم الاتساق تُشجع على التمادي. هذا التفاوت في تطبيق القوانين يربك الجميع ويُضعف الثقة بالمنظومة التحكيمية.
كما أن إدخال تقنيات حديثة مثل حكم الفيديو المساعد (VAR) لم ينهِ الجدل كما كان متوقعًا، بل أضاف بعدًا جديدًا للاعتراضات. فبدلاً من تقليل الاحتجاجات، أصبح بعض المدربين يطالبون بالرجوع للتقنية في كل لقطة تقريبًا، ما يزيد من حدة التوتر ويطيل أمد التوقفات.
ومن الزوايا المهمة أيضًا، تأثير هذه السلوكيات على الفئات العمرية الصغيرة فالمشاهد التي يظهر فيها مدربون وهم يصرخون أو يعترضون بشكل مبالغ فيه تُنقل إلى الناشئين، الذين قد يعتقدون أن هذا السلوك جزء طبيعي من اللعبة، مما يهدد بتكريس ثقافة سلبية على المدى الطويل.
ومن أبرز صور التعامل مع هذه الظاهرة كرأي شخصي، لا بد من تبني إجراءات أكثر وضوحًا وحزمًا، مثل تحديد منطقة فنية صارمة لا يُسمح بتجاوزها، وتطبيق نظام إنذارات تدريجي للمدربين، يبدأ بالتنبيه ثم البطاقة الصفراء وصولاً إلى الطرد عند التكرار. كما يمكن فرض عقوبات مالية أو إيقافات في حال تكرار السلوك.
إلى جانب ذلك، يجب العمل على تأهيل المدربين نفسيًا وسلوكيًا، وليس فقط فنيًا، من خلال برامج تدريبية تُركّز على إدارة الضغوط والتواصل الفعّال مع الحكام كما أن تعزيز الحوار بين الحكام والأجهزة الفنية خارج أوقات المباريات قد يسهم بتقليل التوتر وسوء الفهم.
في النهاية تبقى كرة القدم لعبة قائمة على التنافس الشريف، واحترام القوانين جزء أساس من روحها وإذا استمرّت فوضى الاحتجاجات في المنطقة الفنية دون ضبط، فإنها لن تضرّ فقط بصورة اللعبة، بل ستقوّض أسس العدالة والانضباط التي تقوم عليها.



