اراء

بين تل أبيب ومعراب.. تفاهم على إنهاء الوجود الشيعي

بقلم: العميد محمد الحسيني..

لقد فات آوان الاعتراف بأطماع العدو التأريخية في لبنان من دون الإقرار بنواياه التوسعية تجاه المنطقة برمتها، كما فات آوان اعتبار كل ما يصدر عن قادة الاحتلال هو من وحي توراتهم من دون الجزم بأنها حرب توراتية بامتياز، كذلك فات آوان التلطي خلف سلاح حزب الله كهدف وحيد من الحرب من دون الاعتراف بأهدافه الأخرى بما فيها الاستيطان. كيف لا وما يحدث ضمن مجتمعات المستوطنين ما هو أخطر من الحرب بحد ذاتها، حيث يؤكدون لمن يريد أن يرى ما هو أبعد من أنفاسه، مدى الحقد التأريخي لليهود الصهاينة تجاه لبنان، وكيف تتم تعبئة أطفالهم آيديولوجياً ضد وطن الأرز، وكيف يُصار الى استغلال مقتل أحد جنود الاحتياط وهو “يسرائيل سوكول”، لتبرز على الفور حركة صهيونية للاستيطان في جنوب لبنان وهي منظمة “عوري تسافون”، والسبب هو فقط من أجل تحقيق حلم قتيلها “سوكول” بالإقامة في جنوب لبنان. ولا يغفل على أحد أن هذا الأمر ليس وليد الصدفة ولا يقع في خانة التصرف العفوي أو حتى في إطار الحزن على قتيلهم. إنما هو مشروع مدروس وممنهج يعمل على حث الأجيال الجديدة بالانخراط في مشروع الاستيطان على الأراضي اللبنانية، وذلك من خلال تربية أطفالهم وتنشئتهم على قصص مصورة مستوحاة من أحاديث في التوراة حول لبنان، حيث يتم تفسيرها على طريقتهم بما يتناسب مع أهدافهم، مثل كتاب “ألون فلفنون” أي “ألون ولبنان”. وألون هذا عبارة عن شخصية خيالية لطفل يهودي يروي عن حلمه حول لبنان، إذ يريد ألون التجول في جبال لبنان، لكن هناك أعداء في لبنان، فيستمهله والده بالقول أن جبال لبنان اليوم ليست لنا فانتظر حتى تصبح مِلكاً لنا كما وعدنا الرب “يهوه”.

هذا باختصار شديد محتوى كتاب مُعدّ خصيصاً للأطفال، ما عدا غيره من الكتب التي تُغذي فيهم نزعة السيطرة على شعوب المنطقة بما فيها لبنان أولاً. لذا ليس مفاجئاً أن يصبح شعار المنظمة عبارة عن: “نجمة داوُد تتوسطها الأرزة اللبنانية”، كما ليس مفاجئاً أن تسمع تصريحات لأحد مسؤولي هذه المنظمة “موشيه فيغلين” (عضو كنيست سابق) الذي يقول: “إن الحد الشمالي للجليل ليس الخط المنصوص عليه في اتفاقية الهدنة إنما هو نهر الليطاني الذي هو جزء من اسرائيل التأريخية.”. وليس مفاجئاً أيضاً أن تقوم المنظمة بعرض خرائط لبنانية تلحظ عليها أسماء عبرية لمستوطنات وهمية على الأراضي الجنوبية ضمنتها منازل للبيع… كل هذه الأكاذيب والأضاليل تأتي في إطار التسويق الصهيوني لمملكة “اسرائيل الكبرى أو الموحدة أو التأريخية”، حسب ما تشير إليه الآيات بوضوح في: سفر التكوين 15: 18. سفر التكوين 18: 15- 21. سفر التثنية 11:24، سفر التثنية 1: 7، سفر التثنية 3: 25-26-27-28. سفر يش 1:-1-2-3-4. سفر حزقيال 47: 13– 20.

 وفي الحديث عن “إسرائيل الكبرى” التي يعتقد معظم اليهود الصهاينة بأنها حقيقة تأريخية، وليست من نسج الخيال كما يراها الكثير من علماء الآثار، في مقاربتين متناقضتين إذ إن المقاربة الأولى تعتمد على روايات توراتية من دون أدلة حسية، بينما المقاربة الثانية تأخذ بعين الأعتبار المعثورات الأثرية والتي لا تتوافق مع رواية “إسرأئيل الكبرى”، كما وردت في “سفر حزقيال” بحدودها التي تبدأ شمالاً من سوريا في حماه متجاوزة لبنان كله من وادي البقاع إلى ساحله وجباله حتى جبل حرمون فضلاً عن الأردن وأجزاء من كلٍ من العراق ومصر والسعودية. هذه المملكة التي يتباهى بها قادة العدو، لاسيما وزير المال “بتسلئيل سموتريتش” الذي تحدث صراحة عن حدود “اسرائيل التوراتية”. التي تترجم اليوم من خلال مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، وعرّابه “نتنياهو” الذي يهدف من خلاله إلى السيطرة على المنطقة بإحدى الوسيلتين: إمّا عبر القوة العسكرية على غرار ما يحدث في غزة والضفة ولبنان وسوريا إذا اقتضى الأمر، وإمّا بالهيمنة الاقتصادية على باقي الدول العربية بغية إخضاعها، وفي كلتا الحالتين فإنّ إنجاح المشروع لا يكتمل إلا من خلال نفوذ أمني واسع للكيان على المنطقة، مع إضافة ما يمكن تحصيله من أرصدة النفوذ الأمريكي في الدول العربية لصالح اسرائيل.

هذا الحلم التوراتي قد دغدغ  فيما مضى قادة الحركة الصهيونية، حين بانت أولى مؤامراته ضد لبنان وسوريا تحديداً خلال مؤتمر باريس للسلام في العام 1919 ، حيث قدم الوفد الصهيوني مذكرة تفاهم عُرفت باسم اتفاقية “فيصل-وايزمان” مرفقة بخريطة للكيان الموعود تشمل لبنان الجنوبي باستثناء مدينة صيدا وجزء من البقاع الغربي فضلاً عن أجزاء أخرى من سوريا، حيث تم رفضها من قبل الفرنسيين لا لشيء سوى لأن البلدين يخضعان للانتداب الفرنسي، وما لبث أن تنصل منها لاحقاً الأمير فيصل الأول بن الشريف حسين. وفي محاولة أخرى من قبل العدو الصهيوني لتمرير مخططه في السيطرة على أجزاء من لبنان، تكشف الوثائق عن مذكرة وجّهها رئيس الوفد اللبناني الوزير السابق “فؤاد عمون” الى وزارة الخارجية اللبنانية خلال مؤتمر لوزان (عُقد من قبل لجنة التوفيق بشأن فلسطين التابعة للأمم المتحدة UNCCP في العام 1949 حضرته بلدان مصر والأردن ولبنان وسوريا، والكيان الصهيوني) مُفادها: “أن الوفد الصهيوني طالب بضم الأراضي اللبنانية الواقعة جنوب الليطاني إلى الكيان الغاصب, باعتبار أنها ضرورية لمخططه التنموي، مقابل عودة محدودة للاجئين الفلسطينيين المتواجدين في لبنان”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى