كيف يحصد ترامب ما زرعه الديمقراطيون؟

بقلم: هدى رزق..
تحوز الانتخابات الأمريكية جزءاً كبيراً من الاهتمامات السياسية في المنطقة، وتراهن القوى السياسية على متغيراتها، إلا أنه من المهم لنا فهم طبيعة النظام الأميركي ودور الرئيس في الولايات المتحدة حتى لا نغرق في أوهام التغيير الذي يراهن البعض من خلاله على الرئيس وسياسته، فهو ليس صاحب القول الفصل في السياسة الخارجية، لكن مجموعة المؤسسات السياسية البرلمانية والأمنية والعسكرية هي التي تبدي موافقتها من عدمها في القرارات الكبرى مع بعض حرية الاجتهاد للرئيس في التصرف، من دون التسبب بآثار سلبية على المصالح العليا للولايات المتحدة، أي مصالح تحالف الاحتكارات المالية ومجمع الصناعات العسكرية والشركات الكبرى، أي «رأس المال المالي“.
الفرق بين رئيس ديمقراطي وجمهوري شكلي، أي في الأسلوب، ولا سيما في القضايا الأساسية. هذا لا يلغي دور الرئيس وفريقه في أسلوب التعامل والاقتراحات حول السياسات، وتظهر الفروق بين الرؤساء الأميركيين حسب مصالح الولايات المتحدة المتغيرة من منطقة إلى أخرى، تبعاً لتطور موازين القوى في العلاقات الدولية، ما يعطي انطباعاً أن هناك فروقات بين الرؤساء.
لا تحتاج شخصية الرئيس دونالد ترامب الفائز عن الحزب الجمهوري في الانتخابات إلى أدوات التدخل في السياسة الخارجية التي يعتمدها الديمقراطيون مثل “الحريات” و”الديمقراطية” و”الحقوق الأساسية” كون شخصية ترامب نرجسية ومباشرة حتى الوقاحة، ولا يمكن التنبؤ بسياسته في العلاقات الخارجية، لكن تنطبق عليه سلطة الكونغرس في التنظيم أو الكبح أو الإملاء على أي قرار هام يعتمده.
الثقل المؤسسي لوزارة الخارجية والبنتاغون ومديرية الاستخبارات الوطنية قد يُعيق المزاجية الترامبية، لكن الأولويات دائماً تحظى بالتوافق بين الحزبين؛ الديمقراطي والجمهوري، خصوصاً في السياسة الخارجية. إنها سياسة مؤسسية وهناك ثوابت لديها كالعلاقة الثابتة والداعمة دوماً لـ”إسرائيل”، وتصفية الحسابات مع إيران، رسم الحدود مع روسيا، ومحاصرة الصين.
مسؤوليات ترامب في فتح أو إغلاق باب الحرب في المنطقة
يتباهى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه لم يبدأ حرباً أثناء وجوده في السلطة. ولكنّ حرباً متعددة الجبهات تدور اليوم في الشرق الأوسط. فهو في رئاسته الأولى فتح الباب لقرارات هيّأت الأرض للمزيد من الصراعات عندما قرر الخروج من الاتفاق النووي مع إيران، ولم يتمكن الديمقراطيون من العودة إلى الاتفاق النووي وهو من صناعتهم، وفرض على طهران عقوبات قصوى، قتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس في العراق. تعدّ إيران القضية الأكثر تصعيداً للرهانات. فهل يعود إلى سياسة استنزاف إيران؟ استبعد سابقاً نشوب حرب.
فماذا سيحدث إذا هاجمها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؟ أثارت الهجمات الإسرائيلية مناقشات حول الخشية من تغيير إيران المبدأ الذي يحظر حيازة القنابل الذرية. وأكد المرشد الإيراني السيد علي خامنئي أن موقفه ذو علاقة بمعايير الشريعة. لكن، ألا يمكن لعدوان مدمّر على المنشآت الاستراتيجية أن يغيّر التقييم الذي تستند إليه الفتوى؟ كان ردع إيران هدفاً أساسياً في وثيقة سياسة الديمقراطيين.
لا يوجد بالنسبة إلى ترامب سبب لعدم مواصلة مفاوضات الشراكة الاستراتيجية التي بدأت مع السعودية خلال فترة بايدن. أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيون والجمهوريون منفتحون على اتفاق يتضمن التطبيع مع “إسرائيل”. وهذا يتوافق مع الأهداف التي يريد ترامب تحقيقها من خلال “اتفاقيات إبراهام”. السؤال الأساسي هنا ما الشرط الذي تسعى إليه الرياض لقيام الدولة الفلسطينية؟ من الممكن الالتفاف على هذه المطالب بالتزامات غامضة. إن خطة “حل الدولتين”، التي لم يكن من الممكن تحقيقها، لم تعطل قط اتجاهات “إسرائيل”. فهل يخلف وعده للسعوديين؟
فلسطين إلى أين مع ترامب؟
وضعت قرارات ترامب عبر الاتفاقية الإبراهيمية التطبيعية القضية الفلسطينية في أزمة وجودية، عبر إعلانه القدس عاصمة غير قابلة للتقسيم لـ”إسرائيل”، إغلاقه مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في الولايات المتحدة. وقطع 200 مليون دولار من المساعدات للسلطة الفلسطينية. واعتبار هضبة الجولان المحتلة أرضاً إسرائيلية وهو عمل لصالح “إسرائيل” في عملية التطبيع العربي- الإسرائيلي، اختزل القضية الفلسطينية إلى قضية يمكن حلها بحوافز اقتصادية.
ترامب ليس ضعيفاً كما كان بايدن الذي، بصرف النظر عن أيديولوجيته الصهيونية، كان بحاجة إلى المال والصوت اليهودي الصهيوني قبل الانتخابات الرئاسية، فالديمقراطيون كانوا عاجزين عن صناعة أي سلام، أما ترامب فمهمته مختلفة، وهو قد يضع حداً لألاعيب نتنياهو ويطلب منه التحرك سريعاً في كل ما يفعله، والبدء في الانخراط السياسي الدبلوماسي من أجل «النظام الجديد» المستهدف في الشرق الأوسط، بعد تطبيع العلاقات مع العرب.
لذلك، يهمّه تحديث مبادرة سلام القرن التي أعدّها في الفترة السابقة، ويمكن أن يتم تحويلها إلى خريطة طريق. إن الهيمنة الأميركية تحتاج إلى استخدام تهديدات، لكنها بحاجة إلى مبادرات لإعادة بناء الهيمنة. والمبادرات التي يمكنهم الاستفادة منها هي “اتفاقيات أبراهام”، وخطة السلام للقرن، والممر الهندي المتمركز حول “إسرائيل”، كل ذلك يتطلب إغلاق الجبهات الساخنة بدءاً بغزة ولبنان، ومن بعدها التفرغ لإيران وروسيا والصين.



