قيمة الاغتيالات السياسية

بقلم: أحمد صبري السيد علي..
ما هي القيمة التي يمكن أن يحقّقها أيّ طرف في صراع سياسي أو عسكري من الاغتيال؟
على عكس ما يعتقده الكثيرون بأنّ الاغتيالات السياسية قد تؤدي إلى قيام دولة أو نظام أو حتى حركة سياسية بتغيير توجّهاتها أو بتقديم تنازلات، فالواقع أنّ مثل هذه التصوّرات لم تكن أبداً واقعية، إلا بحالات نادرة.
من الناحية التأريخية، وخلال التأريخ الإسلامي، تعرّض العديدُ من الشخصيات الإسلامية للاغتيال، وعلى رأسهم أئمة أهل البيت (ع) من طرف أعدائهم سواء أكانوا الأمويين أو العباسيين، لكن غيابهم لم يؤثّر كثيراً على حركة انتشار التشيّع أو حتى على محبة عموم المسلمين وميلهم لهؤلاء الأئمة، بل إن غيبة الإمام الثاني عشر رغم ما نتج عنها من اضطراب في الوسط الشيعي سرعان ما تمكّن وكلاء الإمام الأربعة من إعادة ترتيب البيت الشيعي وقطع الطريق على مدّعي الإمامة ومدّعي الاتصال بالإمام الثاني عشر بتحريض من السلطة العباسية، ومنعهم من استغلال الموقف لتحويل الجماهير الشيعية إلى داعمة ومؤيّدة للعباسيين.
في التأريخ الأكثر قرباً، وعقب انتصار الثورة الإسلامية في إيران، تعرّض العديدُ من قيادات الثورة للاغتيال وعلى رأسهم الشهيد بهشتي، الذي كان يعتقد أنه المرشح الأبرز لخلافة الإمام الخميني (قده)، في تفجير مقر الحزب الجمهوري الإسلامي، والذي أودى بحياة 60% من رجال الإمام، بالإضافة إلى الشهيدين رجائي والدكتور باهنر، لكنّ مثل هذه الاغتيالات لم تؤدِ على الإطلاق لتخفيف العداء الذي تكنّه الجمهورية الإسلامية للأميركيين أو الكيان الصهيوني.
ومنذ بداية نضال حزب الله في جنوب لبنان ضد الكيان الصهيوني، قام الأخير بالعديد من عمليات الاغتيال، بينها اغتيال الأمين العام للحزب السيد الشهيد عباس الموسوي، لكن النتائج لم تكن مبشّرة بأيّ نوع من التراجع لدى عقيدة الحزب أو توجّهاته، بل شهدت المرحلة التالية تحقيق إنجازات كتحرير الجنوب عام 2000 والانتصار في عام 2006.
ما يقال عن حزب الله ينطبق كذلك على حركات مقاومة أخرى كحركتي الجهاد الإسلامي التي اغتيل مؤسسها الشهيد فتحي الشقاقي، وحماس التي تعرّض مؤسسها الشهيد أحمد ياسين للاغتيال، وبعد أقلّ من شهر اغتيل رئيسها التالي الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وكذلك الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي تعرّضت لاغتيال أمينها العام الشهيد أبو علي مصطفى ثم اعتقال أمينها العام التالي أحمد سعدات؛ وفي كل هذه الحركات ورغم قسوة الضربات التي وجّهت إليها، وأهمية الشخصيات التي تمّ اغتيالها، لم تسقط أيّ منها سلاحها المقاوم، ولم تغيّر موقفها الرافض للكيان الصهيوني.
ربما تمثّل عملية الاغتيال انتصاراً تكتيكياً في حالات قليلة، إذا كان العدو يرغب في فتح الساحة لقيادة بديلة يمكنه التعامل والتفاهم معها وتحقيق إنجازات عبرها، وهنا فقط يمكن لأيّ طرف في الصراع العسكري أن يستخدم الاغتيالات كوسيلة لإنهاء الصراع بشروط مرضية له، حيث لا تسيطر الحالة العقائدية على الدولة أو الحركة السياسية بما يكفي لمنع مثل هذه التجاوزات، أو يتمّ تفخيخهما بدفع عناصر انتهازية لمواقع القيادة والقرار، كما حدث في الاتحاد السوفياتي بعد وفاة الزعيم جوزيف ستالين أو في مصر بعد وفاة الزعيم عبد الناصر، وكلتاهما تتناثر الشائعات عن وفاتهما بصورة مريبة.
إلا أن هذه الوسائل لا يمكن استخدامها بنجاح مع الدول والأحزاب والحركات العقائدية التي يمثّل العداء للرأسمالية وللكيان الصهيوني جزءاً أصيلاً من تكوين قادتها الفكري وجماهيرها. والمتابع لتراث الاغتيالات السياسية التي يقوم بها الكيان الصهيوني ضد حركات المقاومة، يمكنه أن يلحظ بوضوح أن اغتيال قيادة ما يؤدي إلى وصول قيادة أخرى أكثر حذراً وتشدّداً ورغبة في الانتقام من العدو، بل إنها في الغالب تتمكّن من تحقيق انتصارات وإنجازات كبرى في مواجهة العدو أو في تطوير قدرات الحركة أو الحزب المقاوم الذي تقوده.
وبالتالي فبالرغم من شعور قيادات الحزب وجماهيره بحجم الخسارة التي يمثّلها فقدان قائد بمستوى الشهيد السيد حسن نصر الله (قده)، فلا يبدو أن قيادات الحزب تشعر بأيّ تغيير في الخطط أو المسار الذي يجب أن تتوجّه إليه، وسرعان ما ستؤول الأمور لقيادة جديدة تحقّق الإنجازات التي يخطّط لها الحزب بكلّ قوة، وستتعامل معها الجماهير كما تعاملت مع الشهيد السيد حسن نصر الله (قده)، كونها اعتادت تماماً على التعامل بمنتهى المسؤولية والولاء مع هذا الموقف المتكرّر في تأريخها.
إذاً أين هو الإنجاز الذي يرى الكيان الصهيوني ورئيس حكومته بنيامين نتنياهو أنه تمكّن من تحقيقه بحيث يتكلم بكلّ هذه الثقة حول تغيير الشرق الأوسط؟!
يمكنني أن أجزم أنه ليس ثمة إنجاز سياسي أو عسكري حقيقي يمكن أن يدّعي الكيان الصهيوني والأمريكيون بأنهم حقّقوه، مع الاعتراف بأن خسارة شخصية كسماحة الشهيد السيد حسن نصر الله (قده)، ومن قبله الشهيد إسماعيل هنية وغيرهم من الشهداء القادة في الحركات المقاومة، هي بكلّ تأكيد فادحة للغاية، لكن الواضح أن العدو الصهيوني ليس في الظرف المناسب للاستفادة من دروس التأريخ الآن وهذا نتيجة الأزمة الوجودية التي يعاني منها حالياً.
إن ما يفعله الكيان الصهيوني من ارتكاب للمجازر واغتيال لقادة المقاومة، لا يمثّل في جوهره سوى محاولة بائسة للغاية كي يتخلّص من حرب الاستنزاف الطويلة التي تشنّها عليه المقاومة، والتي صارت تتسع وتحيط به من جهات متنوّعة تدريجياً، وجاءت الضربة الصاروخية الإيرانية لتظهر بوضوح تام مدى عجزه وحتى عجز الولايات المتحدة الأمريكية عن حمايته وتجنّب المصير المحتوم الذي ينتظره.



