منشأ الفشل الأمريكي-“الإسرائيلي”.. الخلل المفاهيمي في فهم إيران وحدود القوة

بقلم: جهاد حيدر..
على وقع المفاجآت التي أفرزتها الحرب الأمريكية-الإسرائيلية” على إيران، برزت سلسلة من الأسئلة التي تحاول تفسير ما جرى: أين تكمن جذور الفشل في الاستراتيجية الأمريكية-“الإسرائيلية”؟ وكيف تحوّل التفوق العسكري والتكنولوجي الهائل إلى عجزٍ عن تحقيق الأهداف السياسية المعلنة؟ ولماذا انتهت المواجهة إلى حالةٍ من الجمود المفتوح بدل إنتاج لحظة حسمٍ تأريخية؟
منذ سنوات، تعاملت الولايات المتحدة مع الملف الإيراني باعتباره أزمة يمكن إدارتها عبر مراكمة الضغوط الاقتصادية والعسكرية والسياسية إلى أن تصل طهران، في النهاية، إلى لحظة التراجع أو القبول بالشروط الأميركية. لكن ما كشفته المواجهة الأخيرة أنّ المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بفعالية العقوبات أو حدود القوة العسكرية أو تعثر الدبلوماسية، بل بخللٍ أعمق في فهم طبيعة الصراع نفسه. فالأزمة الحقيقية تبدو كامنة في الفجوة بين التصور الذي تبنّته إدارة دونالد ترامب -والمتأثر بدرجةٍ كبيرة بالرؤية “الإسرائيلية”- للواقع الإيراني، وبين الواقع كما تراه إيران وتتصرف على أساسه.
المعادلة التي واجهت ترامب لم تكن محصورة بين «اتفاق أو لا اتفاق»، ولا بين «الحرب أو السلام»، بل بين مجموعةٍ واسعة من الخيارات والمسارات الممكنة: تعديل الأهداف السياسية، إعادة صياغة الإطار التفاوضي، إدارة الصراع بدل محاولة حسمه، أو بناء ترتيبات مرحلية تخفف المخاطر من دون السعي إلى انتصارٍ نهائي.
لكن جزءًا مهمًا من التفكير داخل الإدارة الأميركية تحرّك بمنطقٍ يفترض أنّ الضغط المتراكم سيقود حتمًا إلى الانهيار أو الاستسلام، بينما كان النظام الإيراني لا يزال قائمًا، متماسكًا، وقادرًا على إدارة الصمود.
هنا يظهر منشأ الخلل الحقيقي: إنّه خللٌ مفاهيمي قبل أن يكون تكتيكيًا. غير أنّ هذا الخلل لم يكن أميركيَّ المنشأ بالكامل، بل حمل بصمةً “إسرائيلية” واضحة. فالقيادة “الإسرائيلية”، وخصوصًا بعد سنواتٍ من بناء سردية «التهديد الوجودي الإيراني»، تبنّت تصورًا يعتبر أنّ إيران تعيش حالة إنهاكٍ تأريخي، وأنّ تكثيف الضغط العسكري والاقتصادي قد يدفع النظام سريعًا نحو الانهيار أو نحو قبول شروطٍ قاسية تشبه شروط ما بعد الهزيمة.
فداخل هذه المؤسسات ظلّ هناك إدراك بأنّ إيران ليست مجرد دولةٍ تقليدية يمكن إخضاعها بمنطق الصدمة العسكرية أو الضغط الاقتصادي وحده، بل نظام يحمل بنيةً عقائدية وأمنية وتأريخية معقدة، ويمتلك استعدادًا مرتفعًا لتحمّل الكلفة طويلة الأمد.
إلّا أنّ التحالف السياسي بين القيادة “الإسرائيلية” وبعض الدوائر الأميركية الداعمة لرؤية «الضغط الأقصى» ساهم تدريجيًا بدفع واشنطن نحو تبنّي تصور يقوم على فرضيةٍ مركزية: أنّ إيران أضعف مما تبدو عليه، وأنّ النظام يعيش لحظة تآكلٍ داخلي يمكن تحويلها إلى لحظة انهيار إذا جرى تصعيد الضغوط بصورةٍ كافية. ومن هنا جرى الانتقال من سياسة الاحتواء وإدارة الصراع إلى محاولة فرض شروطٍ استراتيجية كبرى على طهران.
وهنا تحديدًا ظهر الخلل المفاهيمي الأكبر: سوء فهم العقيدة السياسية الإيرانية، وثقافة الصمود، وطبيعة إدراك التهديد داخل النظام.
فواشنطن و”تل أبيب” تعاملتا أحيانًا مع التراجع الاقتصادي الإيراني بوصفه مؤشرًا على قرب الانهيار، بينما كانت القيادة الإيرانية ترى أنّ تحمّل الألم الاقتصادي يبقى أقل خطورة من فقدان عناصر الردع الاستراتيجي.
كما جرى الخلط بين الضغط الذي يُضعف الخصم، والضغط الذي يدفعه إلى الاستسلام. فالأنظمة لا تستسلم فقط لأنها تعاني، بل عندما تقتنع بأنّ بقاءها أصبح مستحيلًا. وحتى هذه اللحظة، لم تصل طهران إلى هذا الاستنتاج.
الاعتراضات البحرية، العقوبات، مصادرة الشحنات، العمليات السرية، والإشارات العسكرية التدريجية، كلها عكست الرهان ذاته: أنّ تراكم الضغط سيُجبر إيران، في النهاية، على التراجع.
لكن هذا الرهان تجاهل أنّ الخصم لا يقيس الصراع بالمعايير نفسها التي تعتمدها واشنطن أو “تل أبيب”. فإيران بدت مقتنعة بأنّ الوقت، والصمود، والقدرة على امتصاص الضربات، قد تكون بحد ذاتها أدواتٍ استراتيجية كافية لإفشال الضغوط الأميركية-“الإسرائيلية” أو دفع الطرف الآخر إلى خفض سقف مطالبه تدريجيًا.
لهذا وجدت الإدارة الأميركية نفسها أمام خيارين حاولت تأجيلهما طويلًا. الأول هو المواءمة الاستراتيجية، أي إعادة مواءمة الأهداف الأميركية مع ميزان القوى الفعلي، والقبول بأنّ أي اتفاقٍ واقعي مع نظامٍ لا يزال قائمًا لن يكون استسلامًا غير مشروط، بل تسويةً مرحلية.
أما الخيار الثاني فهو التصعيد الحقيقي والمستدام الهادف إلى دفع النظام نحو عدم الاستقرار أو الانهيار، بكل ما يحمله ذلك من كلفةٍ إقليمية ودولية ومخاطر توسع الحرب.
لكن التردد بين هذين المسارين هو ما جعل السياسة الأميركية تبدو عالقةً في حلقة استنزافٍ مفتوحة. فهي لم تحقق حسمًا عسكريًا، ولم تنتج تسويةً مستقرة، بل أعادت إنتاج الأزمة بصورةٍ مستمرة.
وفي الوقت الذي ارتفعت فيه التوقعات داخل واشنطن و”تل أبيب” بأنّ طهران ستنهار تحت الضغط، تعززت داخل إيران قناعةٌ معاكسة: أنّ المطلوب منها فقط هو الصمود والاستمرار حتى يبدأ خصومها بخفض سقف أهدافهم.



