اراء

غرب آسيا بين الاستقلال والعصر “الإسرائيلي..” أين تركيا؟

بقلم: أحمد الدرزي..

تشهد منطقة غرب آسيا مستوى من الصراع لم تشهده في تأريخها المديد، بما يتجاوز كلّ الصراعات التي حصلت فيها، بما لا يقارن حتى مع ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية وما أفرزتهما من تحطيم للمنطقة وتمزيقها إلى كيانات سياسية يسير أغلبها ضمن مسار الهيمنة الغربية، وخاصةً بعد انهيار الاتحاد السوڤياتي، الذي كان مِظلة دولية لبعض الدول التي حاولت استثمار وجودها في البحث عن خيارات الاستقلال، الأمر الذي يطرح سؤالاً عن مسارات الصراع وخيارات دول الإقليم وخاصةً تركيا.

ما إن غادر آموس هوكستين بيروت حتى تعرّضت مراكز متعددة في الضاحية الجنوبية للعاصمة إلى أعنف الغارات، بشكل لم تشهد له مثيلاً من قبل، مقابل استخدام حزب الله لصواريخ نصر 2 النوعية للمرة الأولى في حيفا و”تل أبيب”، بما يرسم صورة مكثّفة عن الحِدّة التي وصل إليها الصراع الدولي والإقليمي، في تأكيد حِدّة الاستقطابات الشديدة على مستوى العالم، وفي الجانب الآخر من هذا المشهد تنعقد بشكل هادئ من حيث الظاهر قمة جديدة لدول بريكس في مدينة قازان في روسيا، لكنها من حيث الأهمية تمثّل الوجه الآخر للصراع الدولي ببعده الاقتصادي والأمني المكمّل لما يجري في الميدان العسكري في فلسطين ومحيطها.

لا شكّ بأن الحرب التي يخوضها حزب الله الآن في جنوب لبنان وفي فلسطين المحتلة، رغم استشهاد أمينه العام السيد حسن نصر الله وقيادات الصف الأول والثاني، تكشف بشكل واضح عن حجم الرهانات الاستقطابية لكلّ القوى الإقليمية والسياسية في منطقة غرب آسيا، ولم تعد السياسات الإقليمية تختفي خلف الدبلوماسية الناعمة في البحث عن مسارات دبلوماسية ناعمة للخروج من حالة الاستقطاب، بل تحوّلت إلى  الدبلوماسية الفِجَّة في التعبير عن خياراتها، كما حصل في زيارة وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، الذي حمل رسالة تهديد “إسرائيلية” إلى دمشق، تأمر بإغلاق كل آليات الدعم العسكري لحزب الله، فكان جواب دمشق واضحاً من خلال البيان الحكومي الأول في تأريخ الحكومات السورية المتعاقبة منذ عقود، بالتركيز على مسألة المقاومة للتهديدات الإسرائيلية، والثاني كان بالردّ المباشر الذي سمعه في دمشق، بالصمت عن الإجابة المباشرة بما يؤكد ما تدركه دمشق يقيناً بأن انهيار حزب الله يساوي انهيار دمشق.

أين خيارات تركيا؟

كان من اللافت للنظر حجم القلق التركي الذي تبدّى بالتصريحات المتتالية التي خرجت من أفواه مختلف السياسيين الأتراك، وعلى رأسهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي كان صريحاً بتحديد المخاطر المترتّبة على مستقبل تركيا، من جرّاء الحرب الوجودية الأطول التي تخوضها “إسرائيل” على جبهات فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران، بما يطرح السؤال الأهم حول مستقبل وخيارات هذه المنطقة في أيّ اتجاه تذهب إليه.

وضمن هذا التوجّه الجديد للسياسة الأولى يأتي التعاون التركي مع روسيا وإيران، والذهاب معهما نحو العمل على المصالحة مع سوريا، ضمن إطار فهم أوسع للأمن القومي التركي، انطلاقاً من التهديدات المحتملة لإعادة رسم خرائط الجغرافيا السياسية لمنطقة غرب آسيا بأكملها، وهي خرائط لن تُبقي تركيا على حالها، وأصبحت وحدة الأراضي السورية خط دفاع أوّل عن وحدة الأراضي التركية، الأمر الذي يتطلّب تراجعات عن الطموحات والسياسات التركية في الشمال والداخل السوري، ويحتاج إلى تكامل المصالحة الداخلية مع أكراد تركيا مع المصالحة مع سوريا، والمساهمة في توفير أرضية حلّ سياسي سوري يحافظ على الجغرافيا السياسية لسوريا المستقلة عن الهيمنة الغربية.

أصبح حزب الله هو من يحدّد مسارات المنطقة من الناحية الفعلية، فالحرب التي يخوضها الآن لا تتعلّق بمصيره ككتلة مقاومة ووجوده الاجتماعي والسياسي، وإنما بمستقبل منطقة غرب آسيا بأكملها، وهو الآن يخوض المواجهة المباشرة دفاعاً عن لبنان وأيّ لبنان؟ وعن سوريا والعراق وإيران واليمن، وقبل كلّ ذلك دفاعاً عن استقلال شعوب منطقة غرب آسيا من بوابة فلسطين، وهو أمر لا ينفصل عن خيارات تركيا الراهنة والمستقبلية كركن أساسي من هذه المنطقة، وانتصار حزب الله في هذه الحرب سيعني ولادة مشرق جديد بعربه وتُركه وأكراده وفُرسه، بديلاً عن الشرق الأوسط الذي أفشله في المرة الأولى عام 2006 وسيسقطه من جديد في هذه الحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى