اراء

خطوط حمراء.. وخطوط نار

بقلم: حسن أحمد حسن..

منذ الإعلان عن زيارة الرئيس بشار الأسد إلى موسكو بتاريخ 24/7/2024 وعقد قمة مع الرئيس فلاديمير بوتين والمعالم الأساسية للصورة الإقليمية تتوضح بشكل متدرج ومتدحرج يومًا بعد يوم. وعلى الرغم من الجمل القليلة التي تم نشرها من حديث السيدين الرئيسين، إلا أنها كافية لإدراك أن متغيرات دراماتيكية في طريقها للظهور والتبلور، فالمقطع الذي نشره الكرملين تضمن قول بوتين للأسد: “أنا مهتم للغاية برأيك بشأن كيفية تطوّر الوضع في المنطقة ككل.. لسوء الحظ، هناك ميل نحو التصعيد، ويمكننا أن نرى ذلك.. وهذا ينطبق بصورة مباشرة على سوريا”.

وعلى الرغم من الجمل القليلة المتضمنة التي تم نشرها من حديث السيدين الرئيسين، إلا أن توقيت الزيارة وربط ما تم نشره وتداوله بالتطورات المتسارعة، يشير إلى أن لدى روسيا معطيات جديدة وخطيرة بان معًا، وأن الوضع في المنطقة يتّجه نحو المزيد من التعقيد وتشابك المدخلات التي قد تتمخض عنها تحديات وأخطار يجب الاستعداد لمواجهتها ومناقشة احتمالات تداعياتها، وكيفية التعامل المشترك إزاءها بين الرئيسين، وليس لدى أي مستوى آخر.

ولتوضيح هذا الأمر، أتوقف عند بعض النقاط المهمّة التي قد تساعد على تفكيك الصورة المعقّدة التي أفضت إليها العدوانية الأمريكية – “الإسرائيلية” المنفلتة – حتّى الآن – من كلّ عقال، ومنها:

* كل ما تم الترويج له من احتفاء أمريكي بخطاب نتنياهو في الكونغرس، والتصفيق الحاد والمتواصل طيلة فترة الخطاب، هو رسالة للداخل “الإسرائيلي” والأمريكي بالدرجة الأولى قبل أن يكون رسالة إلى أي طرف آخر، فالداخل “الإسرائيلي” منقسم جراء عجز حكومة نتنياهو عن تحقيق أي من الأهداف التي تم الإعلان عنها منذ 7/10/2023. وتداعيات ذلك تشكّل خطرًا وجوديًا على الكيان، وهذا ما اعترف به المسؤولون “الإسرائيليون” بمن في ذلك نتنياهو نفسه. وهذا التبني الأمريكي لرئيس وزراء الكيان المجرم رسالة طمأنة للتجمع الاستيطاني للتقليل من القلق والهياج والتوتّر، ولملمة الوضع الداخلي المتشظي، والاستعداد للأصعب والأشد خطورة، وما تغيير لهجة صقور المعارضة الداخلية “الإسرائيلية” إلا الشاهد الأبلغ على صحة هذا القول، ويؤكد ذلك التصريحات الأخيرة التي نشرتها صحيفة “معاريف” الإسرائيلية للواء الاحتياط اسحق بريك وقوله: “الكراهية التي تشتعل في “إسرائيل”، والتي تتعمق مع استمرار الحرب بين اليمين واليسار، وبين المتدينين والعلمانيين، وبين العرب واليهود، كلّ ذلك يفكك الدولة من الداخل.

* حرص نتنياهو على اللقاء مع أهم مفاصل صنع السياسة الأمريكية، فهو لم يكتفِ بتصفيق الكونغرس بل التقى ترامب أيضًا، وشكره على “اتفاقيات أبراهام”، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بسيادة “إسرائيل” على مرتفعات الجولان، واغتيال قاسم سليماني، وإنهاء الاتفاق النووي مع إيران. والسؤال المشروع هنا: لماذا استذكر نتنياهو اغتيال الشهيد قاسم سليماني بعد أربع سنوات على العملية؟ وهل في هذا إشارة إلى اغتيالات قادمة يساعد بتنفيذها الديمقراطيون كما فعل الجمهوريون؟ والتساؤل الآخر الذي لا يقل أهمية ماذا يعني تعهد ترامب بمكافحة انتشار معاداة السامية -على حد توصيفه- في الجامعات في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وتهديده بأنه إذا لم يفز بالانتخابات، فستكون هناك حروب واسعة النطاق في الشرق الأوسط وربما حتّى حرب عالمية ثالثة؟.

* استنادًا إلى ما ورد في الفقرة السابقة، وتذكيرًا بالتطورات الخطيرة التي أشار إليها الرئيس بوتين، واتّخاذها منحى تصاعديًا في الشرق الأوسط تتضح خطورة حادثة الصاروخ الذي أصاب ملعبًا رياضيًا في مجدل شمس، وأدى إلى ارتقاء عدد من الشهداء وإصابة آخرين بجراح في الوقت الذي كان نتنياهو ما يزال في واشنطن، وسرعان ما تتهم “تل أبيب” حزب الله الذي نفى بشكل قاطع أية علاقة له بذلك، لكن الإدارة الأمريكية وعلى لسان وزير خارجيتها، وقبل القيام بأي إجراء، ومن دون أي دليل تبنت الرواية “الإسرائيلية”، وأكدت حق “تل أبيب” في الرد على جريمة تؤكد كلّ القرائن الدالة على أن جيش الاحتلال “الإسرائيلي” المسؤول عنها، ومع ذلك يصمُّ البيت الأسود أذنيه، ويصرح بمناصرته للكيان المؤقت، والتمسك بالدفاع عنه بعد الإقدام على اغتيال الشهيد القائد فؤاد شكر (السيد محسن) في قلب الضاحية الجنوبية في بيروت، وبعدها بساعات اغتيال السيد إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وبين الجريمتين تقوم القوات الأمريكية بقصف قوات الحشد الشعبي في منطقة جرف الصخر جنوب غرب بغداد، إضافة إلى جريمة الكيان الصهيوني قبل أيام بقصف مطار الحديدة في اليمن، واجتماع كلّ ذلك يؤكد أن واشنطن لا تقل رغبة عن “تل أبيب” بإشعال المنطقة، بغضّ النظر عما يتم ترويجه إعلاميًا، وليس باستطاعة نتنياهو وحكومته الإقدام على مثل هذه الجرائم إلا برضا أمريكي وموافقة صريحة ومشاركة في التنفيذ.

* لكل من يسأل عن الرد ونوعيته وماهيته وتاريخه، فالجواب واضح وصريح ومؤكد من قادة محور المقاومة: سماحة السيد القائد علي الخامنئي دام ظله الوارف، وسماحة السيد حسن نصر الله وعبد الملك بدر الدين الحوثي حفظهما ربّ العالمين، ومن يتوهم أن التهويل الصهيو – أمريكي، ودبلوماسية البوارج الحربية يخيفان المقاومة فعليه أن يعيد حساباته، ومن يحاول الاصطياد في الماء العكر، ويروج لقدرات خارقة لدى محور المقاومة تفوق القدرات الأمريكية والأطلسية و”الإسرائيلية” مجتمعة.

خلاصة..

الوضع القائم أكثر من خطير، والأفق مفتوح على كلّ الاحتمالات، ومن استطاع أن يجنب المنطقة أسوأ كارثة بافتعال حروب وقطيعة سنية – شيعية قادر اليوم على أن يحصن ما تم إنجازه، ويحرم الأعداء من إمكانية ترميم الردع، وما افتقدوه من هيبة وسطوة نفوذ لم تعد مضمونة حتّى لدى أكثر الأتباع انقيادًا للإرادة الصهيو-أمريكية، وقد تكون إمكانية تفادي حرب شاملة ما تزال قائمة، لكنّها مرهونة بإيقاف الحرب على غزّة، وأي كلام آخر يبقى ضمن حِقَن التخدير الموضعي التي تؤجل مؤقتًا الألم الذي ما إن ينتهي مفعول المادّة المخدرة حتّى يعود أشد مما كان عليه، ولا أظن أن لدى واشنطن و”تل أبيب” ما يكفي لتخدير كلّ من يهمهم أمره إلى أمد طويل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى