العدالة في البرلمان أكذوبة الزمان

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي ..
من ويلات ما حلَّ بالشعب العراقي بعد الاحتلال الأمريكي وما جاءت به لنا ديمقراطية العم السام التي أباحث الفوضى وشرعنت للعفرتة والسلطنة وتفشي ظاهرة الزعامات وتكاثر القيادات وصراع الإرادات كملت واكتملت بما ابدع علينا سيئ الصيت الحاكم المدني بريمر بقانونه الذي أسس للطبقية المجتمعية فضلا عن المحاصصة الطائفية التي وأدت لعبة الديمقراطية وأسست الى لبننة العراق . اليوم هناك كذبة كبرى في البرلمان العراقي تحت عنوان ( مناقشة قانون الخدمة المدنية وتعديل سلم رواتب الموظفين ) . لماذا وصفناه بالأكذوبة الكبرى ولابد لنا من الدليل ومن اجل قطع القيل والقال وكثرة السؤال . نعيد لنشحن ذاكرة الشعب الناسي والمتناسي إن تحقيق العدالة الاجتماعية وتخفيض رواتب الرئاسات والنواب والوزراء والدرجات الخاصة والغاء امتيازاتهم المجنونة والنثريات الخيالية وإنصاف الموظفين والمتقاعدين والفقراء هي اول ما تعد به الشعب كل حكومة في البلاد فضلا عن كونه المطلب الأول للمرجعية الدينية العليا منذ سقوط الصنم حتى اليوم . ونعود لنقول إن مناقشة الأمر في مجلس النواب العراقي هي الأكذوبة الكبرى فالغالب الأعم منهم يكذبون على انفسهم ويكذبون على ابناء شعبهم ومن منحهم الأمانة وانتخبهم . إنهم من حيث يعلمون أولا يخونون الأمانة وينكثون اليمين . وللتذكير فقط لكل من ينسى او يتناسى أو يجهل او يتجاهل نؤكد أن البرلمان الوحيد في العالم الذي يمنح أعضاءه رواتب تقاعدية هو البرلمان العراقي فلا يوجد هناك برلمان في الشرق ولا في الغرب يمنح راتبا تقاعديا الى اعضائه انما يعود كل نائب الى وظيفته السابقة قبل ان يدخل البرلمان وهذا معمول به حتى في مجلس النواب العراقي الذي كان يسمى مجلس الأمة في العهد الملكي بل إن النائب في البرلمان العراقي آنذاك كان يُخصص له راتبٌ يعادل راتب مدير مدرسة ثانوية وليس هناك حمايات ولا مواكب سيارات انما يمنح سيارة واحدة وسلاحا شخصيا مسدّسا يحمله هو على ان يعود ليسلم السيارة والمسدس إلى الدولة بعد انتهاء برلمانيته البالغة أربع سنوات . نعم هكذا كان العراق دولة وقانونا وعدالة . ليس هذا فحسب فرغم أن نظام الحكم كان ملكيا في العراق الا ان لمجلس النواب كان الصوت الأكبر ومركز القرار في اسقاط الحكومات والتعبير عن صوت الشعب بل إن أول قرار اتخذه البرلمان العراقي في العام 1948 هو رفض تعيين بعض اعضائه من قبل الملك شخصيا وطالب أن يكون جميع اعضائه ينتخبون بشكل مباشر من قبل الشعب فليس هناك في ذلك الوقت من يعبد الملك او الرئيس او الزعيم ،ولو عدنا الى ابرز شخصيات اعضاء مجلس النواب العراقي في العام 1958 نجد ان اغلبهم من المشايخ الأجلاء والأساتذة الأعلام امثال الشيخ مهدي شكير والشيخ حمدان عداي و عبد المحسن الجريان ومحمد صديق شنشل واللافت في الأمر أن الاسماء المؤطرة لدينا في الوثائق من دون ان تذكر العشائر والألقاب فكان المجلس النيابي بحد ذاته شرفا وتشرفا والوصول اليه قمة وقيمة وقامة لا تدانيها اي منزلة . لذلك لم نجد في وثائق مجلس النواب العراقي في العهد الملكي ما يشير إلى نائب زوَّرَ شهادته او نائب متهم بالتزوير او الخيانة او عميل لنظام حكم خارج الحدود أو لا يقرأ ولا يكتب !!!! . كانوا بحق مؤتمنين على اصوات من ينتخبهم ويمثلون العراق كل العراق وكل منهم يحمل في ثناياه وقار وهيبة ورفعة العراق . لا اُريد ان أقارن ما بين برلمان الأمس واليوم ومع احترامي لثلة من الأولين وقليل من الآخرين الشرفاء في مجلس نواب اليوم فإن القوم غير القوم والدولة غير الدولة وأين الحسام من المنجل وأين الثريا من الثرى واين معاوية من علي . نختصر القول: إنه من دون ان تتحقق العدالة الاجتماعية وإنزال رواتب امتيازات الرئاسات والدرجات الخاصة من ابراجهم العاجية والغاء رواتبهم التقاعدية وإنصاف المظلومين من الموظفين والمتقاعدين فإن دوام المظلومية لغالبية الشعب العراقي ستكون وبالا على الجميع رغم أن أساس مظلومية الشعب تأتي من قراره ومن بين يديه حين يعطوا اصواتهم للمنافقين والفاسدين وقد قال تعالى ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمّرناها تدميرا ) .



