الأكراد في مواجهة تهديدات واقع إقليمي مستجد

بقلم:أحمد الدرزي..
كان تأجيل انتخابات مجالس الإدارة المحلية في منطقة الجزيرة السورية أمراً متوقعاً على الرغم من التأكيدات المسبقة بالإصرار على إجرائها رغماً عن التهديدات التركية والنصائح الأميركية، وهي آخر خطوة في مسار تجربة سياسية عسكرية اجتماعية خاصة بدأت بعد بدء الحرب في سوريا عام 2011 وتبلورت أولى أسسها عام 2014 بعد الإعلان عن قيام الإدارة الذاتية في كامل مناطق الشمال السوري الممتد من عفرين إلى أقصى المثلث الحدودي بين سوريا والعراق وتركيا.
كان واضحاً أن هناك سباقاً مع الزمن لدى الأطراف السورية المنقسمة على نفسها بعدما انتهت المعارك الكبرى فيما بينها إثر الوصول إلى نوع من توازن القوى الإقليمية والدولية في سوريا بعد عام 2018 بوجود جيوش وقوى عسكرية لخمس قوى مؤثرة في الواقع السوري ممثلة لكل من روسيا وإيران إلى جانب الجيش السوري، والولايات المتحدة إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية في منطقة الجزيرة السورية، إضافة إلى وجودها في منطقة التنف وكذلك تركيا إلى جانب هيأة تحرير الشام وبقية الجماعات المسلحة التي اتحدت تحت مسمى الجيش الوطني، إضافة إلى “إسرائيل” التي ما زالت تدعم قوى وجماعات متعددة في الجنوب السوري.
وعلى الرغم من العداء المتجذر من قبل عبد الله أوجلان لتجربة الدولة القومية الحديثة ونظام “الحداثة الرأسمالية”، فإن تجربة الإدارة الذاتية لم تستطع أن تقرأ جملة التحولات الإقليمية والدولية بعد اندلاع اضطرابات ما يُسمى”الربيع العربي”، فدفعت أثماناً باهظة بالتحالف القسري بدايةً مع الولايات المتحدة و تنظيم داعش، والذي تحول فيما بعد إلى إطار تحالف في مواجهة الإرهاب كما يدعون يتيح للجيش الأميركي البقاء في الجزيرة السورية، ويستفيد منه الأوجلانيون بتأمين مظلة حماية لنمو تجربة الإدارة الذاتية، ومن ثم تعميمها على كامل الأراضي السورية.
امتد الخلل في قراءة تحولات السياسة الدولية والإقليمية إلى اتخاذ مواقف مرتبكة وملتبسة بعد السابع من أكتوبر الماضي على إثر إحياء القضية الفلسطينية بعد نجاح حركة حماس في توجيه صفعة مذهلة إلى “إسرائيل” وإلى مجمل النظام الغربي الذي يسمى بنظام “الحداثة الرأسمالية” وفقاً لمصطلح عبد الله أوجلان في معركة “طوفان الأقصى“.
ورغم توسع المواجهات في مناطق واسعة من منطقة غرب آسيا ودخول المعارك الممتدة في شهرها التاسع، مع ارتفاع كل المؤشرات الدالة على عجز النظام الغربي عن تحقيق الانتصار، وأن قوى مقاومة النظام الغربي تُراكم إنجازاتها، فإن الموقف السياسي والإعلامي كان بعيداً كل البعد عن التفاعل الإيجابي مع الحدث المفصلي الأهم في القرن الحادي والعشرين سوى بيانين خجولين.
وبالرغم من كل المؤشرات السابقة على خطورة ما يمكن أن يحيق بهذه التجربة ومع استمرار حرب الإبادة في غزة، تم في نهاية عام 2023 الإعلان عن عقد اجتماعي خاص بشمال شرق سورياً وتقسيمها إلى 7 مناطق مع الدعوة لانتخابات المجالس المحلية، في خطوة تُعتبر تهديداً للأمن القومي التركي على الرغم من صمت دمشق التي لم تُقر هذه الخطوة ولم تدِنْها رسمياً، وهي التي تعلم بأن ما يجري في محيطها الإقليمي يصبّ في مصلحتها، وترى في هذه الخطوة فرصة لاستثارة تركيا ودفعها نحو تغيير سياساتها في سوريا، بما يدفعها إلى التعاون معها على مبدأ الانسحاب وتفكيك الجماعات المسلحة في إدلب وشمال وغرب حلب بضمانات دولية وإقليمية، وهذا ما حدث بعد زيارة وزير الخارجية التركي حقان ڤيدان لكل من روسيا والصين وطرحه القلق التركي من خطوة انتخابات المجالس المحلية في مناطق الإدارة الذاتية.
أصبح مستقبل الإدارة الذاتية أمام تهديدات حقيقية، فمنطقة غرب آسيا بعد معركة “طوفان الأقصى” والحرب في أوكرانيا مقبلة على تغيير في خرائط الجغرافيا السياسية وفقاً لمعادلات جديدة فرضتها قوى المقاومة التي تدير معاركها بتناغم بديع، وأولى المؤشرات على ذلك، وقبل انتهاء أطول حرب في كامل المنطقة، هو ما صرحت به صحيفة الوطن السورية شبه الرسمية التي اعترفت بأن هناك مقاربات مع تركيا (التحركات لتنشيط ملف عملية “التقارب” بين البلدين مستمرة، وبات معروفاً أن بغداد تؤدي دوراً واضحاً في هذا الإطار بدعم من المملكة العربية السعودية وروسيا والصين وإيران، وموافقة ضمنية أميركية)، والواضح من طبيعة القوى الدولية والإقليمية المتناقضة أن هناك توافقاً لم تكتمل معالمه حول الملف السوري، بما يضمن إعادة وحدة الأراضي السورية بإشراف دمشق بدون ملامح واضحة للشكل السياسي الداخلي الذي ستأخذه سوريا.
الأكراد ركن أساسي وأصيل من منطقة غرب آسيا
وهم الآن مع شعوب المنطقة أمام فرصة تأريخيّة لا تعوض، تعيد كامل المنطقة إلى سياقها التأريخيّ الطبيعي المتداخل بالشراكة والسكان، فهل يقرأون جملة التحولات ويكونون شركاء حقيقيين في صناعة مستقبل جديد أم يكونون ضحايا لصراع الكبار؟.



