اراء

مسار العلاقات السورية – التركية.. هل بدأت خرائط الميدان بالتحرك؟

بقلم: جو غانم..

عاد ملف العلاقات السورية – التركية إلى واجهة الاهتمام الإعلامي في الأسبوعين الأخيرين، واستعاد حيزه الواسع ضمن نقاشات واهتمامات الساحة الاجتماعية السورية على اختلاف مشاربها وتوجهاتها ومنطلقات اهتمامها. ولعل منطقة الشمال السوري، التي يحتل الجيش التركي أجزاء منها، ويدعم ويرعى فصائل وجماعات شكلت حالة أمر واقع فيها، تضم الشرائح الأكثر اهتماماً وتخوفاً واستبشاراً من جهة مقابلة بآفاق هذا الملف وتداعياته المتوقعة على سوريا وعلى منطقة الشمال تحديداً.

بدايةً، تُفيد المعلومات الأهلية القادمة من أرياف حلب، الشمالية والشرقية منها على وجه الخصوص، بوجود حركة “بيع أراضٍ وعقارات وأملاك” متسارعة ومستعجلة، يقوم بها بعض قادة المجموعات والفصائل وبعض التجار والنافذين المحسوبين على المعارضة السورية، وبأسعارٍ مثيرة تكاد تقل عن نصف السعر الحقيقي لمتر الأرض في تلك المناطق.

بعد التسريبات الصحافية التي تحدثت عن لقاء أمني مشترك يوم الخميس 11 تموز المقبل في قاعدة “حميميم”، والذي نفت بعض الأوساط التركية حصوله، فيما لم تعلق دمشق بشكل رسمي على هذه الأخبار، حدثت تحركات على الأرض في منطقة الشمال الشرقي، وخصوصاً في مدينة “تل أبيض” التابعة لمحافظة الرقة والمتاخمة للحدود السورية – التركية، إذ انطلق وفد عسكري روسي في عربات مصفحة بشكل علني وفي وضح النهار (عكس ما أشيع حول سرية الزيارة) من القاعدة العسكرية القائمة في مطار القامشلي إلى مدينة تل أبيض، واجتمع مع وفد عسكري تركي حضر إلى المكان، لتتوالى بعد ذلك التقارير والتحليلات التي تتحدث عن قرب شروع أنقرة بتسليم بعض المواقع العسكرية للجيش السوري.

أثارت تلك التسريبات ذعراً كبيراً في أوساط العديد من القادة الفصائليين في المنطقة، فشرعوا في تحريض وتأليب كوادرهم على رفض أي خطوة تركية من هذا القبيل. ويعدّ بعض هؤلاء القادة من المقربين من الأجهزة الأمنية التركية، ما أعطى انطباعاً بأن لديهم معلومات أو مخاوف جدية على هذا المستوى. وقد حدثت حالة استنفار وتخبط بين صفوف المقاتلين المنتسبين إلى الفصائل التابعة لما يُعرف بـ”الجيش الوطني”، وأعلن العديد منهم رفضه مثل هذه الاجتماعات وتخوفه من تسليم المنطقة للروس، ومن ثم للجيش السوري. وقد جرى اعتقال هؤلاء بالفعل، وبشكل عنيف.

لكنْ، وبرغم وجود معطيات ودلائل تشير إلى تقدم في المفاوضات الميدانية، فإن الحديث عن البدء بتنفيذ خطة شاملةٍ كهذه، وبتلك السرعة، يبدو غير منسجم مع طبيعة الطرف التركي الذي اعتاد المماطلة وتحين الفُرص للانقلاب على التفاهمات والتسويف والإخلال بالوعود طوال سنوات الحرب على سوريا. لذلك، من الجيد التوقف عند عدة أمور من شأنها الإحاطة بالظرف الراهن ومقدماته ومآلاته المحتملة:

بعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للعراق في نيسان الماضي، والتي تلتها زيارة لرئيس “هيأة الحشد الشعبي”، السيد فالح الفياض، إلى دمشق، ولقاؤه الرئيس بشار الأسد، أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بدء وساطة عراقية جدية لتقريب وجهات النظر بين الطرفين وإنهاء القطيعة بينهما وحل المشكلات العالقة لما فيه مصلحة كبيرة للبلدين، كما للعراق.

ومن الواضح هنا أن السوداني لم يعلن عن هذه الوساطة من دون استمزاج رأي الرئيس التركي والحصول على موافقته الصريحة. ولعل في شخص السوداني نفسه ما يقود إلى التفاؤل على هذا الصعيد، فمن الجيد هنا أنْ نستذكر أن الحكومة العراقية، وعلى رأسها السوداني، هي من بدأت وقادت الوساطة بين طهران والرياض ونقلتها إلى مستويات متقدمة قبل أنْ يصل الوفدان إلى بكين ويعلنا التوصل إلى مصالحة وتفاهمات جديدة. ومع استمرار الجهود العراقية على هذا المسار، وصل وزير الخارجية السوري السيد فيصل المقداد إلى بغداد بداية هذا الشهر.

واللافت في تلك الزيارة على هذا الصعيد ما صرح به المقداد خلال مؤتمر صحافي جمعه مع نظيره العراقي فؤاد حسين حين دعا تركيا إلى “وقف اعتداءاتها على سوريا والعراق”. والحقيقة أن دمشق لم تحِدْ عن هذه اللغة طوال فترة الحديث السياسي والإعلامي عن مسار مصالحة مع تركيا، الأمر الذي يعكس ثباتها عند مطالبها الواضحة التي أعلنت عنها سابقاً، والمتعلقة بوضع جدول زمني محدد لانسحاب قوات الاحتلال التركي من الأراضي السورية ووقف دعم الجماعات الإرهابية، ويكشف من جهة أخرى حقيقة أن تركيا لم تتعهد أو تلتزم بشيء واضح على هذا المستوى حتى الآن.

وإذا ما ربطنا هذا الأمر بالخبر الذي نقله موقع صحيفة “ستار” التركية (وهي صحيفة مقربة من الحزب الحاكم في أنقرة) حول إلغاء اجتماع رباعي يضم سوريا وتركيا وإيران وروسيا كان من المقرر أنْ يحدث في أيلول المقبل، وذلك بعد رفض أنقرة شروطاً وضعتها سوريا في اللحظة الأخيرة، نستنتج أن ثقة دمشق بالقيادة التركية لا تزال معدومة، وأن السوريين يريدون التزامات مكتوبة قبل أية لقاءات على مستوى الصفوف الأولى، وأنهم من جهة أخرى يدركون حاجة أنقرة المُلحة إلى حلحلة العديد من المواضيع الإقليمية لأسباب أمنية وسياسية واقتصادية ترتبط بالداخل التركي، وبالحالة الكردية، كما بعلاقات الأتراك مع دول الإقليم العربي.

ثمة عوامل عديدة تدفع باتجاه احتمال قيام أنقرة بتلك الخطوات، على الرغم من ثبات دمشق عند مطالبها الوطنية وشروطها. ويقع العامل الكردي على رأس تلك العوامل، خصوصاً بعد إعلان “قسد” عزمها إجراء انتخابات محلية (جرى تأجيلها بطلب من واشنطن).

العامل المهم الثاني هو الضغط الهائل الذي يُشكله ملف اللاجئين والنازحين السوريين في الداخل التركي، والذي ترك أثره الكبير الواضح في الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة. والمعلومات هنا تفيد بأن أنقرة تطلب إعادة ما بين 700 ألف ومليون لاجئ سوري على وجه السرعة. وقد أعدت لوائح بأسمائهم بالفعل.

في النتيجة، هناك حراك حقيقي بدأت بعض جوانبه تتضح على مسار العلاقات السورية – التركية، والمؤكد فيه حتى اللحظة أن دمشق مرتاحة وغير راغبة في تقديم “مكافآت” أو هدايا مجانية للرئيس التركي الذي طعنها في الظهر وتحول إلى عدو لدود بعدما كان صديقاً كبيراً.

وبناء عليه، سنكون في الأيام والأسابيع القادمة أمام اختبار حقيقي لمدى رغبة تركيا في المضي قدماً على المستوى الميداني قبل كل شيء في تفاهماتها مع موسكو، وفي تأكيد صدق نياتها حيال سوريا ووحدتها واستقلالها، ومن غير الوارد أن تُقدِم دمشق على أي خطوة سياسية كبيرة قبل ثبوت كل هذا.

وخلال ذلك كله وبعده، سيكون الامتحان الأصعب على الإطلاق من نصيب الأدوات التي استُهلِكت تماماً في الشمال السوري، كما في أقصى الشرق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى