المواجهة الإسرائيلية الإيرانية بين التأريخ والمستقبل

بقلم: بثينة عليق..
بعد أكثر من مئتي يوم على الحرب الإسرائيلية على غزة تأتي المواجهة المباشرة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية و”إسرائيل” لتضيف أبعاداً جديدة على المشهد المسيطر على المنطقة. ما حصل لا يمكن اعتباره عابراً، إنه بداية مسار سيتفاعل ويتطوّر ليساهم بشكل قوي برسم الصورة وموازين القوى التي ستحكم المنطقة لسنوات طويلة مقبلة.
لا شكّ أن العودة إلى بعض المحطات التأريخية في العلاقة قد تساعد في فهم مآلات الأمور. هذه العلاقة بدأت استراتيجية بين الشاه و”إسرائيل” وانتهت عداءً ذا طابع وجودي وصفري. فقد أصبحت إيران بعد أكثر من أربعة عقود على انتصار الثورة الإسلامية فيها البلد الذي يشكّل تهديداً وجودياً لـ “إسرائيل”، والبلد الوحيد الذي كسر هيبتها ووجّه ضربة قوية لمرتكزات عقيدتها الأمنية.
صحيح أنّ “إسرائيل” أخطأت في تقدير ردة الفعل الإيرانية عندما اتخذت قرار ضرب القنصلية الإيرانية في دمشق، إلا أن هذا لا يعني أن طهران لم تكن محط اهتمام ومتابعة كبيرين ودقيقين من قبل “تل أبيب” ومنذ سنوات طويلة.
قبل انتصار الثورة كانت إيران حليفاً استراتيجياً لـ “إسرائيل” في إطار ما عرف بـ “حلف الهوامش” الذي تبلور بعد العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956 بمبادرة من رئيس حكومة “إسرائيل” آنذاك دايفيد بن غوريون، والذي هدف إلى محاصرة العالم العربي من خلال حلف يضم إلى “إسرائيل”، إيران وتركيا وإثيوبيا. وبناء عليه دعمت إيران “إسرائيل” بالنفط، وتمّ تنظيم زيارات متبادلة للمثقفين واجتمع الطرفان على العداء لعبد الناصر واعتباره عدواً مشتركاً.
هذا الواقع انقلب رأساً على عقب مع انتصار الثورة التي شكّلت العلاقات التي أصرّ الشاه على إنشائها مع “إسرائيل” إحدى القضايا التي دفعت الشعب الإيراني إليها. فلم تُخفِ الثورة عداءها لـ “إسرائيل” لا قولاً ولا فعلاً. وقد شكّل استبدال السفارة الإسرائيلية بالفلسطينية واستقبال ياسر عرفات في الأيام التي تلت سقوط الشاه دلالات واضحة وقوية حول هذا الواقع الجديد. وهو ما توقّفت عنده “إسرائيل” بحذر شديد.
إلا أنها كما واشنطن راهنتا على أن ضرورات الحكم ستدفع الثوّار الايرانيين إلى تغيير مقارباتهم. إلا أن الوقائع أثبتت أن هذا الرهان لم يكن في محله.
العام 1996 كان مفصلياً في هذا السياق، فقد طرح رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية في حينه العميد عاموس جلعاد، القنبلة النووية الإيرانية على جدول الأعمال الأمني الإسرائيلي، وحذّر من أن النظام الإيراني يقوم بتطوير ذراع صواريخ أرض ــ أرض بعيدة المدى. اعتبر جلعاد أنّ امتلاك إيران للقنبلة النووية “سيفقد “إسرائيل” أحد عناصر قوّتها الردعية الأساسية وسيزيل تفوّقها في هذا المجال“.
أما وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق سيلفان شالوم فاعتبر أن إيران تمثّل “خليطاً خطراً من الأيديولوجيا المتطرفة ولديها محاولات مستمرة لحيازة أسلحة الدمار الشامل.. حسب قوله“.
حقيقة الأمر أن مطالبة العالم بموقف من إيران إنما يقصد منها مطالبة واشنطن بالدرجة الأولى. وبالفعل حصلت محاولات عديدة خاصة بعد الغزو الأميركي للعراق في العام 2003 لوضع إيران في مقدمة الأطراف المستهدفة أميركياً بعد العراق.
كما شكّل الملف الإيراني محط اهتمام إسرائيلي أميركي مشترك على نحو يكاد يفوق العديد من الموضوعات الأخرى. الاهتمام المشترك ترافق مع إرساء آليات تنسيق شملت مناحيَ متعددة ابتداء بالتزويد بالمعلومات ومروراً بسبل العمل على الساحة الدولية وانتهاء بمسألة التصدي العملي.
إلا أن التشكيك بقدرة “إسرائيل” ومعها واشنطن على “إيقاف الأمر” بدأ الحديث عنه منذ زمن طويل، وذلك بالتزامن مع التهديدات الإيرانية لـ “إسرائيل” من مغبّة قصف المشروع النووي الإيراني.
فقد كتب المعلّق العسكريّ عميت كوهين: “في الوضع الحالي للأمور أن قدرة إيران على ضرب الجبهة الداخلية الإسرائيلية تفوق قدرة إسرائيل على إحباط البرنامج النووي الإيراني، وإن الصواريخ بعيدة المدى يمكن أن تستخدمها طهران كسلاح استراتيجي يرمي إلى خلق ردع ضد هجوم إسرائيلي في العمق الإيراني”. كلام كوهين جاء في مقالة له في صحيفة معاريف في العام 2003 الذي اعتبره نتنياهو عام الفرصة الضائعة لاستهداف طهران.
المؤكد أن الأمور اتخذت مع نتنياهو أبعاداً جديدة، فالرجل سبق الكثيرين في التركيز على إيران. في كتاب مذكراته المعنون “بيبي: قصة حياتي” أفرد مساحة واسعة للحديث عن إيران. عاد في كتابه إلى مقالة له نشرها في العام 1993 بعنوان “الخطر العظيم”، واعتبر فيها أن الخطر الأكبر على وجود “إسرائيل” “لا يكمن في الدول العربية إنما في إيران”، وتحدّث عن محاولاته العديدة لحثّ الأميركيين على توجيه ضربة لإيران.
حصل هذا مع وزير الدفاع الأميركي رامسفيلد في العام 2001 بعد أحداث 11 أيلول، ثم عاد نتنياهو وضغط في العام 2003 على الإدارة الأميركية لاستخدام “الانتصار على العراق لإعطاء إيران إنذاراً نهائياً باختيار أحد الأمرين؛ إما تفكيك البرنامج النووي أو مواجهة مصير العراق نفسه”. كما سجّل نتنياهو في مذكّراته احتجاجاً على السياسة التي اعتمدها الرئيس الأميركي الأسبق أوباما تجاه إيران، مؤكداً أن “الجيش” الإسرائيلي يعد منذ سنوات خططاً لتنفيذ عملية عسكرية ضد المشروع النووي الإيراني.
إلا أن نتنياهو لم يستطع إقناع واشنطن بتنفيذ العمل العسكري ضد طهران، أما قوله في مذكراته إنه “على استعداد لخوض حرب تقليدية مع إيران من أجل تجنّب الحرب مع إيران المسلحة نووياً”، فقد ذهب أدراج الرياح عندما اضطرت “إسرائيل” إلى الرد بخجل على الردّ الإيراني على استهداف القنصلية الإيرانية في دمشق.
بعد ليلة الرابع عشر من نيسان بدا أن كل تهديدات نتنياهو ومن سبقه من المسؤولين الإسرائيليين ضد إيران أشبه بـ “مجموعة تخيّلات فنتازية”. هذه العبارة تعود للكاتب الإسرائيلي المتخصص بالشأن الإيراني حجاي رام في سياق نقده للمقاربة الإسرائيلية لإيران.
قال رام كلاماً يفسّر جزءاً من الأسباب التي أدت إلى الفشل الإسرائيلي تجاه الملف الإيراني “إن منتجي المعرفة الإسرائيليين على اختلاف أنواعهم لم يكن في وسعهم رؤية الواقع المعقّد والصعب للمسألة الإيرانية لأنهم ببساطة متناهية تغاضوا عن سابق إصرار وتعمّد عن التأريخ الإيراني ومنطقه وسياقاته“.


