اراء

مستقبل لبنان بين المقاومة والعواء

بقلم:حسني محلي..

من دون العودة إلى التأريخ البعيد والقريب، وكلاهما يتحدثان عن أساطير وخرافات الأطماع اليهودية في المنطقة، كان لبنان ضمن خرائط التقسيم في “سايكس- بيكو” وما نتج عنه من تطورات خطيرة أهمها وعد “بلفور” الذي كان بداية المخططات الاستعمارية والصهيونية التي انتهت بقيام “الدولة” العبرية عام 1948.

ويعرف الجميع كيف كان لبنان طيلة السنوات الماضية وما زال جزءاً أساسياً في مجمل التطورات الإقليمية التي أراد الكيان العبري وحلفاؤه في الغرب الإمبريالي بل في المنطقة العربية والإسلامية لها أن تساعده في إقامة دولته اليهودية الكبرى التي قال عنها السفير الأميركي في “تل أبيب” مايك هكابي إنها “تمتد من النيل إلى الفرات وفق النصوص التوراتية“.

في الوقت الذي يسعى فيه السفير الأميركي في بيروت ميشيل عيسى ذو الأصل اللبناني ومعه السفيرة اللبنانية في واشنطن والتي تحظى بمودة الرئيس ترامب، ندى حمادة معوض، بشكل مباشر أو غير مباشر لمساعدة الكيان العبري في تحقيق أهدافه بعلم أو من دونه.

وهو ما يفعله الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام وكلاهما يتهربان من إزعاج الرئيس ترامب وسفيره ميشيل عيسى ويقول الجميع عنه إنه جاهل ومتغطرس بل وحتى طائفي وعنصري حاقد على كل من يحب لبنان.

ومن دون أن نتجاهل هنا السفير الأميركي في أنقرة توم برّاك والمكلف بالملف السوري واللبناني والذي قال أكثر من مرة إن الكيان العبري هو الحليف الأهم بالنسبة إلى الرئيس ترامب وفريق عمله الخاص بالشرق الأوسط، وبشكل خاص في سوريا، باعتبار أن حكامه الجدد سيكونون في خدمة الكيان المذكور بشكل مباشر أو غير مباشر.

ومن دون أن تعني هذه الحقيقة أي شيء للثنائي عون- سلام ووزير الخارجية يوسف رجي الذي كان صريحاً في وصف الحالة النفسية والسياسية لمن يحكم في بيروت عندما قال “ليس لدينا إلا سلاح الدبلوماسية”، ولكن الدبلوماسية لا تنفع إلا إذا اقترنت بقوة عسكرية أو اقتصادية أو القوتين معاً، وهاتان القوتان ليستا موجودتين عندنا ولا يبقى لدينا إلا الصداقات مع الأميركيين الذين يحبوننا، لذا سنذهب ونبكي أمامهم ونتوسل إليهم حتى يخرجوا الإسرائيلي من لبنان“.

وجاءت تصريحات رئيس وزراء الكيان العبري نتنياهو تأكيداً للحالة النفسية لحكام بيروت حيث قال “إننا نعمل بحزم في لبنان وفق القواعد التي تم الاتفاق عليها في واشنطن مع الحكومة اللبنانية“.

وهو ما أدى إلى ردود فعل حزب الله الذي ناشد الثنائي عون – سلام للإعلان عن فحوى الاتفاق مع الكيان العبري الذي أثبت أكثر من مرة أنه لا ولن يلتزم بأي قرار لوقف إطلاق النار أو الهدنة الموقتة أو الدائمة، وأن هدفه الأساس هو التخلص من حزب الله الذي هو في الوقت نفسه هدف كل المشاريع والمخططات التي أوصلت جوزيف عون إلى السلطة في 9 أيار 2025 وبعد شهر من إيصال الجولاني إلى قصر الشعب في دمشق.

كما جاءت هذه المشاريع والمخططات بنواف سلام من محكمة العدل الدولية وجعلت منه رئيساً للحكومة ليساعد، وبصفته يمثل السنة، الرئيس جوزيف عون “المسيحي الماروني”، في تنفيذ المهمة التي جاءا من أجلها وهي التخلص من حزب الله وكل أشكال المقاومة الوطنية الشريفة ليس فقط في لبنان بل المنطقة عموماً وبعد التخلص من نظام بشار الأسد في دمشق، وبالتالي العدوان على إيران في حزيران وشباط الماضيين.

وجاء صمود إيران، دولة وشعباً، في وجه كل التهديدات الصهيو/ أميركية ليرفع من معنويات حزب الله ومن معه في محور المقاومة داخل لبنان أو في العراق واليمن وكل الشعوب العربية والإسلامية الشريفة، التي ولأول مرة ذاقت طعم الانتصار على الكيان العبري وبفضل الصواريخ والمسيرات الإيرانية واللبنانية والعراقية واليمنية، وحتى إن كانت “شيعية“!

وذلك بعد أن فشلت كل الأنظمة العربية والإسلامية الأخرى في تحقيق أي انتصار ومهما كان صغيراً على التحالف الصهيو/ أميركي الذي دمر المنطقة منذ أكثر من مئة عام وبفضل تواطؤ وعمالة وخيانة الكثير من حكام المنطقة.

 كما جاء وعي غالبية الشعب اللبناني وحرصه على التمسك بالحد الأدنى من القواسم الوطنية المشتركة ليمنع على الثنائي عون -سلام القيام بمزيد من الخطوات العملية على طريق التطبيع ثم الاستسلام للكيان العبري. مع أن الجميع يعرف جيداً أنه لا ولن يكتفي بما سيقدمه هذا الثنائي له من خدمات جليلة ستجعل من لبنان امتداداً جغرافياً للمستوطنات اليهودية في شمال فلسطين المحتلة.

كل ذلك مع استمرار التحريض الإعلامي المأجور ضد حزب الله ليس فقط من منطلقات طائفية بل لأنه يعرقل ويمنع الكيان العبري من تحقيق أهدافه وجعل لبنان مستعمرة صهيونية جديدة كما هي الحال في سوريا التي تحولت إلى مرتع خصب تصول وتجول فيها كل أجهزة المخابرات الإقليمية والدولية التي تخدم في نهاية المطاف التحالف الصهيو / أميركي.

ويبدو واضحاً أنه قد جنّ جنونه من صمود حزب الله وحلفائه ورغم كل التضحيات العظيمة التي قدموها من أجل لبنان وباعتراف الأغلبية الساحقة من الشعب اللبناني.

وحان الوقت بالنسبة له كي يختار بين البكاء والنحيب أمام البوابة الخلفية للبيت الأبيض التي دخل منها الجولاني مهاناً، وبين الشرف والكرامة اللتين طالما تغنّى بهما هذا الشعب العظيم عبر التأريخ برمّته، ومن دون أن يتذكر أحد من منهم كان مسيحياً أو مسلماً أو شيعياً أو سنياً.

كما هم أثبتوا ومعهم الشعب الإيراني العظيم أن إرادة الشعوب لا ولن تُهزم ومهما عظمت التضحيات التي دفعت معظم دول وشعوب العالم إلى إعادة النظر في علاقاتها مع الكيان العبري الذي بات منبوذاً ومكروهاً من معظم هذه الدول والشعوب التي تعلمت الكثير من صمود الشعب الإيراني وحلفائه وهو الانتصار الاستراتيجي الأهم على طريق النضال التأريخي للتخلص من هذا الكيان المصطنع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى