درس إيران.. بعد فشل الحرب ما هي أدوات نجاح الدبلوماسية؟

بقلم: د. علي جمعة العبيدي..
لم تعد الحرب مجرد أداة لفرض الإرادة، بل اختباراً حقيقياً للرؤية الاستراتيجية وقدرة صانع القرار على قراءة خصمه بعمق. ففي أعقاب الضربات الأمريكية التي شُنت في 28 فبراير 2026، برز تحول جوهري في الموقف الأمريكي من إيران؛ تحوُّلٌ ينبع من إدراك متأخر لطبيعة النظام الإيراني، وقدراته العسكرية، وتعقيدات المشهد الجيوسياسي الإقليمي. فبعد أن راهنت واشنطن على انهيار سريع للنظام عبر ضرب القيادات والبنية العسكرية، اصطدمت بواقع مغاير يفرض إعادة حسابات الحرب والسلم على حد سواء. لم يعد السؤال يدور حول “كيف نبدأ المعركة؟”، بل “كيف ننهيها دون كوارث استراتيجية؟”، وهو السؤال الذي حوّل النهج الأمريكي من التوغل العسكري إلى البحث عن مخرج دبلوماسي مرحلي، في ظل إجماع إقليمي ودولي على أن استمرار التصعيد سينعكس سلباً على الأمن العالمي والاقتصاد الدولي.
فطالما كشفت الحروب الأمريكية المعاصرة عن فجوة استراتيجية خطيرة بين القدرة على الدخول في الصراع والعجز عن هندسة نهاية مقنعة له. وكانت الحربان الأفغانية والعراقية نموذجين صارخين على أن تدمير البنية التقليدية لا يعني بالضرورة تفكيك الإرادة السياسية أو القدرات اللامركزية.
وفي الحالة الإيرانية، تكرّر هذا الدرس بقسوة؛ افترضت واشنطن أن اغتيال القادة وضرب المنظومات الدفاعية سيؤدي إلى انهيار داخلي سريع، متجاهلةً طبيعة النظام الإيراني القائم على التوزع المؤسسي، والقدرة على الصمود عبر شبكات بديلة، وتجربة طويلة من الحرب غير المتكافئة. والأهم من ذلك، أن الجانب الإيراني أثبت مهارة تفاوضية عالية، بينما عكست واشنطن ارتباكاً في صياغة استراتيجية خروج واضحة. هنا تبرز الحقيقة الاستراتيجية الأعمق: أن القوة العسكرية وحدها لا تُترجم إلى انتصار سياسي، بل إن الفشل في هندسة “مرحلة ما بعد الضربة” يحول النجاح التكتيكي إلى ورطة استراتيجية طويلة الأمد.
أمام هذا الواقع، يبدو أن الإدارة الأمريكية باتت تتجه نحو نموذج تفاوضي واقعي يعترف بصعوبة تغيير السلوك الإيراني أو تفكيك ترسانته النووية والعسكرية بالقوة. ويقترح هذا النموذج اتفاقاً مرحلياً يتجاوز إطار الاتفاقيات التقليدية، وينقسم إلى ثلاث مراحل مترابطة. تبدأ الأولى بمحادثات لوقف إطلاق النار وضمانات أمنية بعدم تجديد الأعمال العدائية ضد إيران ولبنان، كشرط أساس للانتقال إلى المرحلة الثانية. وتعالج الثانية إدارة مضيق هرمز عبر إطار حقوقي جديد، بالتعاون مع عُمان، لضمان انسياب الملاحة دون تحويل المضيق إلى ساحة مواجهة. أما الثالثة، فتخصص للملف النووي، الذي ترفض طهران مناقشته قبل تثبيت الاستحقاقين السابقين، مما يعكس منهجيتها التفاوضية القائمة على “الأمن أولاً، ثم التفاوض على القيود”. هذا التسلسل ليس مجرد ترتيب زمني، بل اعتراف ضمني بأن الأمن الإقليمي والممرات الملاحية أصبحا أولويتين استراتيجيتين تتقدمان على السجالات الأيديولوجية أو النووية طويلة الأمد.
رغم اتجاه واشنطن نحو التسوية، يبقى السيناريو البديل قائماً: شن ضربة محدودة جديدة تليها فترة حصار لمضيق هرمز، وتأجيل جميع الملفات لما بعد الانتخابات النصفية الأمريكية. لكن هذا الخيار يحمل مخاطر جسيمة، خاصة في ضوء ما تبقى لإيران من قدرات مؤثرة؛ فحوالي 50٪ من مخزون الصواريخ الباليستية ومنظومات الإطلاق لا يزال سليماً، و60٪ من القوة البحرية للحرس الثوري (بما فيها الزوارق السريعة للتكتيكات غير المتكافئة) جاهزةٌ للعمل، بالإضافة إلى ثلثي سلاح الجو وعشرات الآلاف من الطائرات المسيّرة الهجومية. هذه الترسانة تجعل أي حرب ممتدة سيناريو كارثياً لا يقتصر على المنطقة فحسب، بل يهدد سلاسل الإمداد العالمية، ويرفع أسعار الطاقة، ويهدد الاستقرار الاقتصادي الهش أساساً. ومن هنا، يتبلور إجماع ضمني بين إيران والدول العربية على أن السلام ليس خياراً مثالياً، بل ضرورة وجودية؛ فالأولى ترفض التنازل عن خطوطها الحمراء مقابل ضمانات أمنية، والثانية تدرك أن أي تصعيد جديد سيحمل تبعات لا يمكن احتواؤها إقليمياً.
إن التحول في الموقف الأمريكي من الفرض العسكري إلى البحث عن مخرج دبلوماسي مرحلي يعكس نضوجاً قسرياً في قراءة الواقع الإيراني وتعقيدات الصراع المعاصر. لم تعد الحرب أداة قابلة للتطبيق دون حسابات “الخروج”، والدبلوماسية المرحلية تبدو اليوم المسار الوحيد القادر على موازنة المصالح الأمنية والاقتصادية دون جر المنطقة إلى هاوية غير محسوبة العواقب. وفي النهاية، لن يُحسم الصراع بين واشنطن وطهران في ساحات المواجهة، بل في غرف التفاوض التي تُفهم على طاولات التفاوض حيث يدرك الأطراف أن الاستقرار الإقليمي ليس تنازلاً، بل استثماراً استراتيجياً في مستقبل يتجاوز حسابات الحرب القصيرة الأجل.



