نقاش هادئ في نقاط (1)

بقلم/ د. ضياء المحسن..
بادئ ذي بدء لست في معرض الدخول في جدال مع رأس السلطة التنفيذية فيما طرحه من نقاط، يعتقد البعض أنها طوق النجاة للاقتصاد العراقي، ذلك لأن النهوض بالاقتصاد ليس مجرد أمنيات مكتوبة يتم طرحها هنا وهناك، بل إن النهوض الوطني يحتاج الى إرادة قوية تستند الى قاعدة سياسية وشعبية تقف خلفها وتعضدها لتجاوز المعوقات التي تقف حجر عثرة في طريقها، وما أكثر الحجر الذي يقف في طريق الإقتصاد العراقي.
أثناء حديثه مع عدد من رجال الأعمال الهولنديين والعالميين خلال مشاركته في مؤتمر ميونيخ للأمن 2024، تحدث عن عدد من المبادئ التي يجد رئيس الوزراء العراقي أنها تمثل حجر الزاوية في إنطلاق العراق نحو النهوض بإقتصاده الوطني، ولا أشك لحظة واحدة في صدق نوايا السيد السوداني، لكني هنا أحاول توضيح بعض المعضلات التي تقف عائقاً أمام هذا الكلام، لأن الواقع الذي نشهده يوميا يفرض علينا من باب النصيحة ليس إلا.
طرح السوداني عدداً من المبادئ شملت ستة محاور، سنتناولها تباعاً إذا أبقانا الباري معذرة له في أننا قمنا ما بوسعنا، ويبقى لرئيس الوزراء أن يأخذ بها ويناقشها مع مستشاريه وهم ليسوا بقليل.
يتمثل المبدأ الأول بالإصلاح الاقتصادي في المجالات كافة دون الاعتماد على النفط، ومعلوم للإقتصاديين أنك لتقوم بعملية إصلاح اقتصادي يجب أن تكون لديك هوية اقتصادية، يعمل بموجبها إقتصاد بلدك، واقعا الإقتصاد العراقي مشوه لا يستند الى عقيدة محددة ومعروفة المعالم والتوجهات، فلا هو اقتصاد موجه بلحاظ وجود وزارة للتخطيط تضع الخطط الخمسية والعشرية، لم تنجز منها حتى لو نسبة ضئيلة، بسبب التخبط الواضح في وضع الموازنات العامة والتي هي في الغالب موازنة رواتب ليس للجانب الإستثماري فيها أثر يتم الإعتماد عليه، حيث أن نسبة ال34% من الموازنة والتي تمثل الجانب الإستثماري يكاد المنفذ منها لا يتجاوز 14%، طبعا هذه النسب بالإعتماد على أرقام الموازنات للأعوام السابقة والسنة الحالية، ومع وجود عجز افتراضي يكاد يبلغ أرقاماً فلكية فإن العجز يتم تغطيته عن طريق التهاون في تنفيذ الموازنة الإستثمارية، ولا هو اقتصاد حر يجعل قوى السوق تعمل بأريحية.
إذا عدنا لما طرحه السوداني في حديثه عن الإبتعاد عن النفط كمورد وحيد لتمويل الموازنة، نجد أنه كلام لا يُسمن ولا يُغني من جوع، لأن واقع الحال وبعد مرور أكثر من عام على تسنمه منصبه، لم نلحظ ارتفاع مساهمة القطاعات الإقتصادية الحقيقية في الموزانة، بل على العكس من ذلك نجد ان مساهمة القطاع الزراعي لم تتجاوز 3% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي؛ مقارنة بنسبة العاملين في هذا القطاع التي تتجاوز 20% من مجموع سكان العراق، وبالحديث عن القطاع الزراعي ومشاكله لابد من المرور على موضوع عقود المزارعين التي مضى عليها ما يزيد على أربعين سنة، والغالب من أصحاب هذه العقود توفاه الباري عز وجل، وانتقل العقد بالتوارث الى الورثة، وهنا المشكلة؛ ففي الوقت الذي تطالب الحكومة المزارعين باستخدام التقنيات الزراعية الحديثة، نجد أن تجديد العقود الزراعية من قبل الدائرة الزراعية في المحافظة لا تعطي العقد الزراعي لأقل من خمسة دوانم، في وقت أن الورثة قاموا بتقسيم الأرض الزراعية فيما بينهم وكأنهم ورثة لهذه الأرض، ويمتنع البقية عن تسجيل العقد بإسم أحدهم خشية أن ينقلب عليهم بحجة أن العقد الجديد باسمه، خاصة إذا ما أخذنا بنظر الإعتبار أن الشركات التي تقوم بتجهيز المعدات الزراعية تشترط أن يكون العقد الزراعي يحمل تأريخا حديثا.
وللحديث صلة.



