اراء

غزّة تستنهض محكمة الضمير العالمي

بقلم: علي عوباني..

لم تشهد الدول الغربية من قبلُ انتفاضة شعبية عارمة داعمة لأي قضية عالمية بمستوى ما تشهده اليوم من تظاهرات احتجاجية دعمًا لغزّة وأبنائها.. إنه “ربيع فلسطين”.. غير أنّ هذه الصحوة الغربية، ولو أتت متأخرة، قابلتها غفوة عربيّة في التفاعل مع قضيتّهم الأم وبرودة مستغربة إزاء حجم الهمجية الصهيونية في غزّة. ويكفي مقارنة مشهد استشهاد الطفل محمد الدرة، في أيلول عام 2000 يوم هزّ الضمير العربي وحرّك شارعه من أدناه إلى أقصاه، مع ما يجري اليوم من تكرار للمشهد ذاته آلاف المرات من دون أن ينتفض الشارع العربي لكرامته وعزته ومن دون أن يذرف دمعة واحدة على أشقائه الذي يُقتلون بدم بارد، كأنّ ما يجري لا يعنيهم وكأنّهم تشرّبوا ثقافة الذل والانهزام أمام العدو.

صحيح أن ما أقدم عليه مناصرو غزّة، في الدول الغربية، من مواقف مشرفة عرّى الديمقراطية الغربية وكشف زيفها، لكنّه أحرج أيضًا العرب وفضح تقصيرهم مبينًا أنهم ليسوا على قدر المسؤولية، فلا هم ناصروا غزّة ولا تظاهروا لأجلها بهمم عالية. هذا الانحدار المخزي في الرسم البياني في التحركات العربية قابله ارتفاع بوتيرتها في الشارع الغربي، وهو ما تمظهر بأشكال مختلفة، من طيار أميركي أحرق نفسه دعمًا لغزّة، من دون أن يبرز “بوعزيزي” عربي واحد، إلى رئيس البرازيل الذي رفع صوته صادحًا بنصرة غزّة من دون أن يصدر موقف عربي واحد يخرق جدار الصمت، إلى طرد كولومبيا سفير الكيان الغاصب من أراضيها، فيما الدول المطبعة لم تجرؤ على خطوة مماثلة ولم تحتج أو تسحب سفراءها من “تل أبيب”، إلى رفع جنوب افريقيا دعوى ضدّ “إسرائيل” أمام محكمة العدل الدولية، بينما وقف العرب يتفرجون على إبادة غزّة ولم يحركوا ساكنًا.. ويوم تحركت جمهورية اليمن العربية وأغلقت البحر الأحمر، سارع العرب بأنفسهم إلى توفير البدائل لكسر الحصار عن كيان العدو..!!

كل ذلك يقود إلى أسئلة جوهرية منها: “هل أضحت فلسطين قضية الشعوب الغربية..؟ وأين هم العرب ممّا يجري اليوم في غزّة أين النخوة والحمية أين التفاعل والتضامن العربي؟! لما هم في سبات عميق؟! أين العرب اليوم؟ ألم يناصر بعضهم المؤامرة الكونية على سورية في العام 2011 ووثق تمويلها بـ300 مليار دولار؟! ألم يتآمر بعض هؤلاء على إيران مرارًا وتكرارًا؟ أين هم هؤلاء اليوم يتعاملون مع غزّة وكأنها في كوكب المريخ، أم أنهم لا يمتهنون سوى تغذية الفتن والتناحر فيما بينهم؟!

في غزّة أكثر من 30 ألف شهيد و60 ألف جريح. هدم العدو المستشفيات والمدارس وأعدم كلّ مقومات الحياة. ولا موقف عربي واحد مشرّف لا كلمة ولا إدانة، ولا حتّى دينار أو دولار عربي واحد لمساعدة أهلها الذين يتضورون جوعًا. حتّى حينما أرسلوا طائراتهم لإنزال المساعدات، رموها لأسماك البحر لإذلال أهل غزّة الشرفاء في لقمة عيشهم، بعدما أخذوا توقيع العدوّ في استعراض فولكلوري إعلامي ليس أكثر، لإبعاد وصم العجز عنهم، لجأوا إلى الإنزال الجوي كأنّ لا حدود ولا معابر تربطهم مع غزّة وخرجوا بعدها يتباهون ويتبجحون، وهذا بحد ذاته عار وشنار.. لا يستر عجزهم وخنوعهم؛ بل يعرّيهم ليس من قيم العروبة فحسب؛ بل من كلّ قيمة أخلاقية وإنسانية.. سيما أن هذا الضعف هو السبب الرئيس الذي جرأ العدوّ حتّى باتت غزّة بين سندان الصمت العربي ومطرقته.

هل بات 7 أكتوبر لا يعنيهم اليوم؟! أليس هذا التاريخ من عصر الانتكاسات العربية وآخر حروبهم ضدّ الكيان الذي تصدّت حماس للانتقام له بعد خمسين عامًا؟.. ألم يحرك هذا التاريخ وعيهم وينتشلهم من حال التبعية والارتهان اللذين قبعوا فيهما وجرّهم لهما خيار الاستسلام؟ فكم تحتاج الأنظمة والشعوب العربية اليوم من قرابين غزية كي تنهض وتصحو وتعود إلى قضاياها الرئيسة؟ كم تحتاج من دمار لتدرك أنها في خطر وأن العدوّ إن تمكّن من غزّة لن يوفرها حتّى لو حيّدت نفسها الآن؟ وكم تحتاج لتفهم طبيعة الغدة السرطانية المزروعة في منطقتنا، وأنها سر كلّ بلاوينا وكروبنا ومآسينا، وأن أطماعها بالحرب والسلم لا تقف لا تتغير ولا تتبدل؟ وأنها كيان لا يقرّ بحدود ما تزال تدغدغ أحلام قادته مشاريع توسعية قديمة مثل “دولة النهرين” (من النيل إلى الفرات) وتهويد القدس وجعلها عاصمة لإقامة “دولة يهودية”.. فأين العرب اليوم من كلّ هذا، ولما يهرولون للتطبيع وبيع فلسطين وتضحيات ودماء شهدائها طوال خمسة وسبعين عامًا؟ أين وفاؤهم على الأقل للدماء التي بذلتها جيوشهم لتحرير الأراضي العربية، مثل سيناء والجولان وكلّ شبر من لبنان وفلسطين؟ لمَ كلّ هذا الجفاء العربي عن غزّة، لمَ كلّ هذا البعد عن القضية الأساس؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى