اراء

أبعد من النصر أو الهزيمة.. حقائق يُقصيها الخطاب المناهض للسلاح

بقلم: علي فواز..

يعود الجدل حول النصر والهزيمة في كلّ مرة تنخرط فيها المقاومة في حرب ضدّ “إسرائيل”. غالباً ما يبتعد النقاش الصاخب والمتوتر حول هذا الموضوع من أيّة معايير علمية أو موضوعية رغم محاولات تلبّسه ذلك.

في حالات قليلة فقط، وضمن أطر محدودة، يتسم النقاش بطابع النزاهة الفكرية والحياد العلمي. حصل مثل هذا الأمر إثر معركة “أولي البأس” وشمل أوساطاً يمكن تصنيفهم ضمن بيئة المقاومة. المهم هنا هو الغاية من ذلك النقاش.

تموز 2006.. “إسرائيل” تُهزم

حصل مثل هذا النقاش خلال حرب تموز 2006 واستمرّ لفترة طويلة بعد انتهاء الحرب. اعترفت “إسرائيل” رسمياً حينها بالإخفاق في نواحٍ كثيرة استناداً إلى تقرير فينوغراد. لكنّ فريقاً لبنانياً أصرّ حتى النفس الأخير على العكس.

أكثر من ذلك، بقي جزء ممن يتحمّسون اليوم ضدّ المقاومة ويتماهون مع “إسرائيل”، يصرّ في خطابه السياسي والشعبي على أنّ انسحاب “إسرائيل” من جنوب لبنان والبقاع الغربي عام 2000 لم يكن بفضل جهود المقاومة وتراكم الخسائر الإسرائيلية، إنما جاء نتيجة حسابات داخلية في جبهة العدو.

تجاهل حقيقة الصراع وسياقه وخصائصه

مشكلة أصحاب المواقف المناهضة للمقاومة، على تنوّعهم وتمايزهم، لا تكمُنُ في أنّ كلّ ما يقولونه خاطئ بالضرورة، وفي أنّ كلّ الهواجس التي يطرحونها لا يمكن تفهّمها ونقاشها، بل على العكس؛ إنما المعضلة الأساسية في خطابهم نابعة من غياب الحلول المنطقية والعقلانية والعملية التي يمكن أن تقنع أصحاب الأرض والقضية وبقيّة اللبنانيين المؤمنين بخيار المقاومة، بأنّ هناك بديلاً موثوقاً ومستداماً وفعّالاً يمكن أن يحلّ بدل السلاح والقوة العسكرية في وجه المخاطر الإسرائيلية، سواء انضوى هذا السلاح في إطار استراتيجية دفاعية ترعاها الدولة أو في إطار حركة شعبية.

وعندما يضطرّ مناهضو فكرة المقاومة بعد إلحاح إلى تقديم جواب أو تصوّر، يأتي باهتاً وهزيلاً إلى حدّ “البكاء عند الأميركيين“.

يحدث أمام أعيننا

يبدو أنّ تجربة مسار أوسلو لا تكفي للاتعاظ أمام معارضي المقاومة وداعمي خيار الاستسلام. هل يحدث أيّ فارق لدى هؤلاء استحضار كلّ ما يجري اليوم على أرض فلسطين المحتلة من توسيع للاستيطان وضمّ للأراض ونقض للمواثيق والاتفاقيات التي جرت برعاية أميركا وضمانتها مع ما يرافق تلك الإجراءات من تشريعات داخل الكنيست (قانون القومية الذي يمهّد لطرد فلسطينيي الـ48 مستقبلاً، وقرار منع إقامة دولة فلسطينية، ومشروع قانون إلغاء اتفاقيات أوسلو..) وانعكاسات ذلك على حقّ العودة الذي يتأثّر فيه لبنان.. أم يجب التذكير بتصريحات السفير الأميركي في “إسرائيل” مايك هاكابي حول “الحقّ التوراتي” لـ”إسرائيل” في أراضٍ واسعة بالشرق الأوسط؟

هل ندفن رأسنا في الرمال ونركّز فقط على تصريح وزير الخارجية الإسرائيلية جدعون ساعر حينما أعلن لأغراض تتعلّق برهانات على مسار التفاوض المباشر مع لبنان، أنّ “إسرائيل” ليست لديها أيّ أطماع إقليمية أو نيّات للاستعمار والاستيلاء على أراضٍ في لبنان، ونتجاهل خطاب زميله في الحكومة إيتمار بن غفير الذي أكّد قائلاً: “نريد الاستيطان في لبنان ولدينا الخطط الصحيحة لذلك، ويجب ألّا نخاف أمام كلّ الضغوط”، رابطاً هذا المشروع الاستعماري بخطط حكومية تهدف إلى تشجيع التهجير القسري للفلسطينيين من قطاع غزة والضفة الغربية؟

نموذج مصر والأردن حول خيار السلام

في سبيل تجنّب الاصطدام بأسئلة الواقع اتجّه الخطاب المعارض للمقاومة في الأعوام الفائتة نحو الإحالة إلى تجربتي الأردن ومصر. استخدم هذا الدليل في السابق من أجل التمثّل بحال “الاستقرار” الناجم عن مسار التفاوض والسلام مع “إسرائيل” على اعتبار أنّ فلسطين، وفق منطق نزع السلاح، لها خصوصيتها في قلب المشروع الصهيوني، وحال لبنان يشبه أكثر حالتي مصر والأردن باعتبارها دول طوق. لكنّ الخطاب الذي كان يرتكز على هذ النموذجين لم يكن يتوقّع أن يأتي اليوم الذي تقوّضه “إسرائيل” نفسها.

أولاً ليس النموذج الأردني مثالاً يُحتذى في السيادة وعدم الارتهان، حتى وفق المنظور الانعزالي الذي يدعو إلى عزل النظم والنأي بنفسها عن الصراع.

لكن لنتجاوز ذلك، ولنتجاوز أيضاً الأزمة الدبلوماسية التي أثارها وزير المالية في الحكومة الإسرائيلية بتسلئيل شموتريتش عندما وقف خلف منصة مغطاة بـ خريطة لـ”إسرائيل الكبرى” تضمّ كامل حدود الأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة كجزء من “الدولة” العبرية، ولنتجاوز ما قاله سموترتش لاحقاً حول أنّ “حدود القدس” يجب أن تمتدّ لتصل إلى دمشق، وإعلانه الصريح أنّ على “إسرائيل” ابتلاع الدولة الأردنية بالكامل.

دعونا لا نقف عند موقفه القاضي بأنّ نمو “إسرائيل” الجغرافي التدريجي لضمّ أجزاء من الأردن وسوريا ومصر والعراق يمثّل “تحقيقاً لنبوءات دينية”.. لنتجاوز ذلك ونتحدّث عمّا تقوله النخب الأردنية اليوم بما فيها شخصيات من داخل النظام.

مروان المعشر أحد هؤلاء، وهو شغل سابقاً عدداً من المناصب في الحكومات الأردنية المتعاقبة، إذ عمل نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للخارجية ووزيراً للإعلام عدا عن أنه كان أول سفير للأردن في “إسرائيل”. يقول في مقابلة حديثة إنّ النظام الحاكم في “إسرائيل” يرفع الآن علناً شعار “من النهر إلى البحر وما بعده”، ويشير إلى أنّ الأوساط الرسمية الأردنية باتت تستشعر خطراً حقيقياً يمسّ سيادتها، محذّراً من أنّ سعي “إسرائيل” لضمّ الضفة الغربية سيؤدّي حتماً إلى محاولة تهجير قسري للفلسطينيين نحو الأردن لتصفية القضية، وهو ما يمثّل برأيه خرقاً صريحاً لمعاهدة “وادي عربة” وتهديداً وجودياً للأمن القومي الأردني.

حروب الآخرين

كي لا يطول الكلام، تشبه الحالة المصرية الحالة الأردنية عندما يتعلّق الأمر باستراتيجية “إسرائيل” التوسّعية. يعمل المشروع الصهيوني تأريخياً على تجميد الجبهات وفصلها وتحييدها حتى تتهيّأ الظروف المناسبة التي تمكّنه من القضم والتوسّع.

بُنيت خطيئة أنور السادات على مقولة أنّ “أميركا تمتلك 99% من أوراق اللعبة” (وفي صياغات أخرى “من أوراق الحلّ”) والتي مهّدت لانقلاب استراتيجي في المنطقة لم يوازِه إلا انتصار الثورة في إيران، لكنّ القاهرة تقف اليوم أمام تحدّيات وجودية تطوّقها بتخطيط إسرائيلي وأميركي، ليس آخرها ملف النيل وسدّ النهضة، دون أن نتجاهل أنّ الحدود التوراتية للمشروع الصهيوني المزعوم تمتدّ من النيل إلى الفرات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى