اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

تشريعات برلمانية توسع حجم الإنفاق وتعمّق مشكلة العراق المالية

مع تواصل الأزمة الاقتصادية


المراقب العراقي/ احمد سعدون..
في وقت يمر فيه العراق بأزمة مالية خانقة نتيجة انخفاض الإيرادات النفطية وتراجع السيولة النقدية، تتصاعد المخاوف الشعبية والاقتصادية من اتساع الفجوة بين حجم الأزمة والإجراءات المتخذة لمعالجتها، خصوصاً مع استمرار اعتماد البلاد شبه الكامل على النفط كمصدر رئيسٍ للموازنة العامة، وسط غياب خطوات جادة لتنويع الاقتصاد وتقليل الهدر المالي.
ورغم التحذيرات الحكومية من خطورة المرحلة المقبلة، كشفت تقارير اقتصادية حديثة، أن مجلس النواب ما يزال بعيداً عن أولويات الأزمة المالية، من خلال استمراره بتشريع قوانين توسع من الهياكل الإدارية وترفع من حجم الإنفاق العام، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى سياسات تقشفية وإصلاحات مالية عاجلة.
وبحسب التقارير، فإن البرلمان قرأ منذ بداية فصله التشريعي الحالي نحو 23 مسودة قانون، توزعت على مختلف اللجان النيابية، فيما أشارت البيانات إلى أن ما يقارب 70 بالمئة من تلك المشاريع تتضمن استحداث هيآت ومجالس ومؤسسات جديدة، بعضها يرتبط بالوزارات وأخرى تعمل بشكل مستقل، الأمر الذي يهدد بزيادة الترهل الوظيفي وتضخم الجهاز الإداري للدولة.
ويرى مختصون، أن هذه التشريعات تعكس استمرار النهج التقليدي القائم على التوسع الإداري، بدلاً من معالجة الخلل الاقتصادي، مؤكدين، أن الخزينة العامة لم تعد تستطيع الإنفاق على مشاريع غير مدروسة في ظل تراجع الإيرادات النفطية وارتفاع الالتزامات المالية للدولة.
ومن بين أبرز مشاريع القوانين المثيرة للجدل، مشروع قانون خدمة العلم، الذي يتضمن منح المعيل راتب جندي متطوع خلال فترة الخدمة مع استمرار صرف راتب الموظف من دائرته الأصلية، فضلاً عن التكاليف الكبيرة المتعلقة بإنشاء المعسكرات والتجهيزات والنقل والإعاشة، ما يعني أعباءً مالية إضافية على خزينة الدولة التي تعاني أساساً من ضغوط متزايدة، كما أثار مشروع قانون هيأة الطيران المدني، انتقادات واسعة بعد تضمنه مخصصات مالية قد تصل إلى 200 بالمئة من الراتب الاسمي، إضافة إلى منح رئيس الهيأة امتيازات بدرجة وزير، مع ما يرافق ذلك من نفقات تخص الحمايات والمكاتب والايفادات وفتح ممثليات داخل وخارج البلاد.
وفي السياق نفسه، تضمن مشروع قانون وزارة الاتصالات توسعات إدارية واستحداث أقسام وصناديق تشغيلية جديدة، وهو ما اعتبره خبراء الاقتصاد خطوة تزيد من حجم الإنفاق الحكومي بدلاً من ترشيقه وتقليصه.
ويؤكد المختصون، أن الحكومتين التنفيذية والتشريعية ما تزالان تدوران في حلقة مفرغة بعيدة عن جوهر الأزمة، محذرين من أن استمرار هذا النهج قد يقود البلاد إلى أزمة مالية أعمق، خاصة مع تأخر إقرار الموازنة العامة وتراجع القدرة على تمويل المشاريع والخدمات الأساسية.
وأشاروا إلى أن بعض الوزارات بدأت تعاني فعلياً من نقص التمويل، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الخدمات المقدمة للمواطنين، لا سيما القطاع الصحي، حيث تواجه المستشفيات نقصاً في الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة والمستعصية، بالتزامن مع توقف آلاف المشاريع الحيوية والخدمية بسبب شح التخصيصات المالية.
ومن جانبه، أكد الخبير الاقتصادي دريد العنزي في حديث لـ”المراقب العراقي”،  ان” أغلب اللجان النيابية التي شكلها البرلمان هي غير مختصة وتم تنسيب أغلب أعضائها على أساس المحاصصة الحزبية وليس على مبدأ الكفاءة والخبرة”.
وأضاف العنزي، ان “العراق يمر بمرحلة اقتصادية حرجة ولابد من سن قوانين تخدم المصلحة العامة ويجب اللجوء الى خبراء الاقتصاد ليتم ادراجهم الى جانب اللجان النيابية من أجل تشريع قوانين اقتصادية تستطيع اخراج البلاد من أزمته الخانقة”، لافتا الى ان “الكثير من القوانين التي تم تشريعها سابقاً جاءت  لغايات تخدم مكاسب الأحزاب وليس من أجل المصلحة العامة للبلد”.
ولفت الى ان” أغلب التشريعات التي أقرت خلال الفصل التشريعي الحالي هي من أجل الاستعراض الإعلامي فقط ولن يتم التصويت عليها مستقبلاً، لأنها ستصطدم بعقبة التمويل المالي في ظل الظروف الحالية التي يمر بها اقتصاد البلد”.
وشدد العنزي على “ضرورة تشريع قوانين اقتصادية جريئة تنطلق من مصلحة الدولة، بعيداً عن الحسابات الحزبية والمحاصصة السياسية، قبل أن يجد العراق نفسه أمام أزمة مالية أكثر تعقيداً تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد”.
ويرى مراقبون، ان اقتصاد البلد سيبقى يعاني من أزمات مستمرة ما لم يتم تحريره من قبضة الكتل السياسية وتسليم زمام الأمور الى خبراء ينتشلونه من الانفاق الريعي وتفعيل القطاعات الصناعية والزراعية والتعاون مع القطاع الخاص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى