ثقافية

رؤية الذات اليومية تزهق شعرية القصيدة قراءة في مجموعة «و……» لعدنان الصائغ

جحخدجد

حيدر عبد الرضا

إن الانطلاق في فضاءات وحيوات ومكونات مشروع قصيدة مجموعة (و…) للشاعر عدنان الصائغ لعلنا نفهم من خلالها بأن السفر في ظرفية دوال وأبنية ذلك المعنى الإبداعي لا يعني أن تكوينية خطاب النص الشعري ما يمنحنا تلك القيمة الدلالية الدالة فحسب، بل إن هناك أشبه بالخريطة (البياضية/ الفراغية) التي من شأنها أن تساهم في دفع حافزية وصول الدال في حد ذاته الى دركات المعنى الجمالي وصولا نسقيا يتيح لنا فضاء المكونات
العضوية في داخل و خارج النص بذلك الشكل الكيفي القار في موجبات أغوار استشرافية المعنى التماثلي الباعث.
(خصوصية التجربة في البواعث الظاهرة)
في حديقة أيامها
ثمار يابسة في أغصانها
ثمار منخورة بالوحشة، كحياة لم تستعمل
ثمار تعبت من الانتظار.
أن شعرية عدنان الصائغ كما عهدناها سابقا دائما هي مخطوطة معطيات تبحث لها عن جهات ما في كشف المعنى المضمر أو عن جهة ما تتلمس دربها للولوج الى مجموعة أسئلة مخصوصة الهوية البيئية والذاتية والأفعالية والحدثية حيث يكون مبعثها فضاءاً زمانياً/ مكانياً/ ظرفياً/ انطباعياً. فالشاعر الصائغ من خلال جملة الاستهلال الأولى في القصيدة: (في حديقة أيامها) نعاين بأنه راح يكشف للقارئ عن فحوى مديات تجربة حياتية مريرة في طيات فصول دوال شعرية راحت تستقرئ المعنى القصدي بموجب مكونات ملفوظية مبتئسة (اليباب/ الجدب) وصولا الى (ثمار منخورة بالوحشة) ولهذا أتجهت جميع علامات
وملامح البوح في النص نحو خالصية جذور الغور قريبا من خصوصية تجاورية محور التقطيع البياضي (ثمار../ ثمـ..) وحين يفصح النص عن مضامينه وعن مقاصده الظاهرة/ المضمرة يتيح لنا الإجراء الخطابي الدال مجموعة بنيات متحركة ومتسائلة (كم هي الثمار) تتبعها واو العطف وانساقها الاجتمالية المعطوفة على مساحة دال (القبلات) وصولا الى واقعة الحال (بحاجة لمن يقطفها
دائما). وفي كل هذا نجد النص يظل مشرعا حول تصورات تناظرية التواصل بين عملية خصائص واو العطف وبين عناصر و صفات ومقتضيات النص الانقسامية.
هذي الأشجار المخضلة في الغاب
ربما تغدو طاولة
مشنقة
بابا
أو قبقاب
أو رفا لكتاب
هذي الأشجار
هذي الأشعار.
ولكنها أيضا تغدو ـ أي الأشجار ـ الى أمكانيات قصدية أكثر بعدا مما توصل إليه شاعرنا الصائغ من خلال هذه التوليدية الاشتقاقية، وبالتالي فأن عملية كشفها تبدو علاقة يسيرة بين تبرير الموصوف ووعيه المكرس في مرحلة آنية المحاولة في خطاب كان يسعى جاهدا نحو دمج وفصل أواصر المشتق العلائقي التوليدي (ربما تغدو طاولة/ مشنقة/ بابا/ أو قبقاب) أن ما يمكن أن ينجزه الشاعر في عضوية هذا الشكل الارتدادي المفصلي هو خلق حالة من حالات المقايسة التي لربما لا تضف الى فطانة ومقاصد صنعة القصيدة المحمولة على أكتاف الظاهرة النموذجية النادرة، بل هي تعد من البداهة والأفكار الجاهزة في مركب صورتها الإيحائية العابرة.
(منظور التقاطب و تشكيلات الفعالية المنتجة)
يقوم فعل التقاطب في مجموعة قصائد (و..) الشعرية بين طرفين مركزيين يواجه أحدهما الأخر مواجهة تعارض واختلاف، وهذان الطرفان هما: الوطن/ الحرب وحالات أخرى موزعة في نسبية تشكلات صور وأفكار النصوص في المجموعة. غير أنها في الوقت نفسه لم تشغل لذاتها موقعية المركز/ التصدير/ المهيمن، وبطبيعة الحال فإننا وجدنا محور (الوطن) ومحور (الحرب) هما من بات يشغلان سليقة رؤية القصائد في أبعادها الباطنة والظاهرة و الرمزية المباشرة كافة

يحط الذباب
بتكرار ممل
على أنفه الذي هرسته قذيفة عابرة
من بين ما هرست من حيوات وأشجار وذكريات..
أن من إشكاليات شعرية الصائغ الكبرى هو أنها في جملة أوصافه للأشياء لربما لا يبتعد عن رسم صور و حالات الأشياء وهي في مواضعها الأصلية الظرفية الواقعة، أي بمعنى ما نراه لا يكترث ولا يتردد في وصف الأشياء بموجب حجومها ومساحاتها ودلالاتها الفطرية المباشرة.
كحال هذه المشاهدة: (أنفه: الذي لم يكن ذا أهمية لديه/ أكثر من أنه كان يعلق عليه نظارتيه/ وأنه كان يسرب الهواء الى حياته) هكذا وجدنا نموذجا لتصويرية المواقف والحالات الدلالية لدى الصائغ وكأنه يسعى منها الى التقاط محض صورة فوتوغرافية عن منظر تهكمي ما؟
فهذا الكلام لا يخضع بدوره الى مجال حالة شعرية معمقة في قصديتها الإيحائية النادرة، بل أنها جاءتنا محض توطيدية انطباعية مفترضة لا تحقق لذاتها الواصفة سوى انطباعية رسم الأشياء من خلال منظورية غير شاعرة بحسية الأبعاد الدائرة في فلك فاعلية الحالات الإبداعية في القصيدة المتطورة. وتبعا لهذا يلحقها الشاعر بهكذا شكل من الدوال التقريرية: (حياته: التي كانت تنبض قبل قليل/ على بعد شهقة منا…)
(رؤية البياض تجاور تقاطعات أطروحة القصيدة)
لعل في هذه المقاطع التي استعرضناها سلفا من قصائد المجموعة ما يشف لنا عن امتزاج صوت الأهواء والأصوات والقيم الواصفة وعلى نحو بات يستحضر من خلالها خطوط الصور المركزية الى موضع تنويعات تلتحم بالمكونات التخييلية والأبعاد بما يخرجها من حسية الرمزية والقصدية اللا مباشرة الى شبكة لغة الأوصاف
المتواترة في تجسيدات الواقعة الشعرية. وبصرف النظر عن إجرائية ورؤية الشاعر النقلية المباشرة لفحوى معنى وظائفية الدوال، نراه يواجهنا في اشتغالية قصيدته بتقانة فضاء البياض/ التقطيع/ الانفصال والانغمار في سرد تفاصيل الأفق الصوري في مجريات حدوثات النص:
يمشي
منتفخا بيقين
يملأ رأسه
لا يعرف معنى الشك
و ـ لذا ـ
يجهل ـ
ـ حتى
نفسه

يطول التحديق في أحوال قصيدة الصائغ التي يتضح لنا بأن كل شاغلها هو رسم ملاحقات الرؤية اليومية الذاتية لديه، بل أنها تبدو جملة علاقات صورية يومية تقترب من دفاتر المذكرات الشخصية و السرد الأخباري المحفوف بالمزاجية المفرطة. فالصورة الشعرية لديه تنحو في مسار من الذكريات و البيوت التي هجرها أصحابها و للبقية الباقية من شظايا الزجاج وألواح الزينة وأطر النوافذ:
لا تتودد
لي..
لا تقترب
طبعا أن تلدغ
ياعقرب
لن تغلب طبعك..
فالطبع ـ وإن حاولت ـ
هو الأغلب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى