التربية الروحية في عصر غيبة الإمام المهدي “عليه السلام”

الكثير منا يتلهف لرؤية مولانا صاحب العصر والزمان، “عجّل الله فرجه الشريف“، والقتال معه والدفاع عنه ضد الفكر الارهابي الذي يتربص به، ويريد النيل منه حين ظهوره والوقوف بوجه دولة العدل الالهية التي ستقضي حتما على جميع مظاهر الظلم والفساد الذي بات صفة ملازمة لمجتمعاتنا.
إن للتربية الروحية علاقة وارتباطاً وثيقاً بـ(استقامة المسيرة) على خط الإسلام فكرياً وعملياً، لأنها تجعل المؤمن في علاقة محكمة مع الله يعبده ولا يعبد سواه، ويرجوه ولا يرجو غيره، ويخافه ولا يخاف غيره، ويعمل له لا لغيره، يتأثر بوحيه، ورسالته، ويقطع صلة (التأثر) بالناس، ويقيم معهم بدل ذلك صلة (التأثير) والتوجيه.. لأن الانفصال عن الناس وحضارتهم.. وعن أهواء النفس وشهواتها، لا يتم إلّا من خلال عمل تربوي جاد يبني الإنسان فيه نفسه مع الله تعالى ويقطعها به عما سواه.. وبكلمة يقطع قلبه وشعوره وكيانه عن كل شيء عدا الله تعالى، وما أمر الله تعالى به (أن يوصل) بهذا وحده يمكن أن تستقيم مسيرة المؤمن وتثبت على خط الإسلام ويكون مستعداً لاستقبال دولة الإمام المهدي (عليه السلام) ويكون عضواً فعالاً فيها.
تكمن أهمية التربية الروحية في عصر الغيبة في أمور عدة هي:-
١– الأثر الكبير في الحفاظ على الدين والثبات عليه والدفاع عنه في الأيام الصعبة، وامتصاص المحن والآلام التي يمر بها الإنسان المسلم في زمن الغيبة.
٢– الوعي الإيماني بدولة العدل الإلهي وتعني –هنا– المدركات الذهنية التي تتمتع بالاستحضار المستمر، والمعايشة الدائمة لذكر الإمام (عجّل الله فرجه) من قبل الإنسان المؤمن وإحساسه بوجوده معه ويرى سلوكياته.
٣– الوجدان الإسلامي ويشمل العواطف كحب الإمام (عليه السلام)، والخوف عليه، والرجاء من الله تعالى بتعجيل ظهوره، والغضب له.
٤– تقوية الإرادة، والإخلاص، أو الدافع الديني في شخصية الإنسان المسلم، الذي ينظم حركة هذه الشخصية وتصرفاتها، ويعتبر الجهاز الحاكم فيها في زمن الغيبة.
٥– توحيد المنطلق النفسي للمؤمنين في العمل (الدافع والهدف) في حب الرسالة وتطبيقها، والحرص على المصلحة الدينية وإعلائها وتفضيلها على الرغبات الشخصية والأهداف الذاتية التي تختلف عادة من شخص إلى آخر نتيجة (اختلاف الآراء، والمصالح الشخصية التي تغلب على المصلحة العامة عند بعض الناس، واختلاف المذاقات والمشاعر… إلخ).
الأهداف التربوية لغيبة الإمام المهدي (عليه السلام)
إن قضية الإمام المهدي (عليه السلام) من وجهة نظر أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم تمثّل تجسيداً حيّاً للدولة العادلة وتكامل المجتمع المسلم فيها، ليس على مستوى المستقبل غير المنظور فحسب، بل على مستوى الحاضر المعاش الذي يجسّد هذا المستقبل من خلال وجوده الشريف وحياته الفعلية، ويعطي هذا الاعتقاد وضوحاً في الرؤية للتاريخ الإنساني، وفهماً للسنن الإلهية في التاريخ التي تحدّث عنها القرآن الكريم.
والذي يعنينا هنا هو الإشارة إلى بعض الأهداف التربوية لغيبة الإمام (عليه السلام) والتي تساهم في تكامل المجتمع المسلم بالقدر الذي يساهم في فهم منهج الأئمة (عليهم السلام) في بناء هذا المجتمع من خلال قضية الإمام المهدي (عليه السلام) ونشير بصورة إجمالية إلى أهم هذه الأهداف وهي:-
أولاً: الوضوح في التكليف:
الوضوح في الإحساس بالواجب الإلهي والتكليف الشرعي عند القيام بمختلف النشاطات الإسلامية والدينية، حيث يشعر الإنسان المؤمن بوجود الإمام المهدي (عليه السلام) معه، وأنه يؤدّي أعماله وخدماته ويمارس جهاده وتضحياته تحت رايته الشريفة ورعايته الخاصة.
ثانياً: امتحان الأمة:
إن إحدى الأهداف التربوية لغيبة الإمام المهدي (عليه السلام) هي امتحان الناس، ليظهروا على واقعهم، فتنكشف الفئة التي استبطنت السوء وعدم الإيمان، وتبدو الفئة التي تمكن الإيمان من أعماق قلوبها بانتظارها للفرج وصبرها في الشدائد واعتقادها بالغيب.
ثالثاً: الاحتفاظ بالقيم الربانية:
ومن الأهداف التربوية للغيبة، الاحتفاظ بالمبادئ والقيم والمثل الربانية في المسيرة، والسعي الدائم إلى تحقيق الكمال في المجتمع المسلم، بعيداً عن مفاهيم الربح والخسارة الدنيوية والكسب المادّي، أو الوصول إلى القدرة والتسلط والهيمنة.
رابعاً: اتخاذ الإمام (عليه السلام) قدوة:
الشعور بوجود الإمام المهدي (عليه السلام) وهو يمثّل القدوة الرائعة العظيمة في الصبر والثبات على المحن التي مرَّ بها خلال عمره الطويل يعيش الإنسان المؤمن الآلام والمحن ويتعرّض لها في حياته، ويتحسس بها ويتفاعل معها بطبيعة الحال تأسياً بإمامه (عليه السلام)، فهو صابر ممتحن في ذات الله من أجل الأهداف العظيمة، وينتظر الفرصة للقيام بدوره العظيم. وكلّ ذلك يعطي زخماً عظيماً وروحاً معنوية عالية لمسيرة التكامل في المجتمع المسلم.
خامساً: المساهمة في العدل:
اعتقاد الإنسان المؤمن بأن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) معه ويشاهده بذلك ستكون كل أعماله ونشاطاته هي مساهمة للتمهيد لقيام حكومة العدل الإلهي المطلق، التي يحققها الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
سادساً: الأمل الكبير:
لا شكّ أن روح الأمل هي من أعظم المعنويات التي تمدّ الإنسان بالقدرة على الاستمرار في الحركة والثبات والصبر والتضحية. فالجندي الذي يشعر بأن مسيرته سوف يكملها جنود آخرون يحققون النصر والفتح من بعده، يكون على استعداد للتضحية والفداء أكثر بكثير من ذلك الجندي الذي يشعر أنه عندما يسقط تتوقف المسيرة وتكون المعركة خاسرة.
سابعاً: الانتقام للمظلومين:
وفكرة الانتقام والثأر –بالمعنى السليم لها والذي يعني الثأر للقيم والمبادئ والحق والعدل– هي فكرة صحيحة وإسلامية تحدّث عنها القرآن الكريم في أكثر من موضع مثل قوله تعالى: ﴿قاتِلُوهُم يُعَذّبْهُمُ اللهُ بأيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدورَ قَوْم مُؤمِنينَ﴾.



