الأبعاد الحقيقية لشخصية الإمام السجاد “ع”

يمكن اعتبار حضور الإمام في كربلاء ومواقفه في الشام، وتخطيطه في المدينة بعد عودته إليها هي المحطات الثلاث التي تؤشّر الأبعاد الحقيقية في شخصيته الجهادية:
المحطة الأولى: في كربلاء
تؤكّد المصادر التاريخية أنّ الإمام السجاد عليه السلام كان حاضراً في كربلاء إذ شهد واقعة الطفّ بجزئياتها وتفاصيلها وجميع مشاهدها المروّعة. ومن المتّفق عليه، أنّه كان يوم كربلاء مريضاً أو موعوكاً وللحدّ الذي لا يستطيع الوقوف على قدميه، أو لا تحمله قدماه.
كلّ ذلك وغيره كثير يختزنه الإمام السجّاد عليه السلام ويطوي عليه قلبه وضلوعه، إذ لم يتسنَّ له أن يبذل مهجته، لجرحٍ أصابه، فأخرجه من المعركة، أو مرضٍ شديد أقعده عن المساهمة فيها، فيحمل تلك المشاهد ليستفيد عليه السلام مما شاهده في إبراز وحشية بني أمية وأتباعهم على الملأ.
المحطة الثانية: في الكوفة
يستحضر الإمام السجاد عليه السلام مصارع إخوته وأبناء عمومته، فيقف شامخاً في قصر الإمارة بالكوفة وهو يحمل بلاغة جدّه الإمام عليّ عليه السلام وعنفوان أبيه الحسين عليه السلام، فيتحدّث بخطبته أمام الطاغية عبيد الله بن زياد، ويضعه موقف المتّهم المباشر بسفك دماء الأبرياء، عندما رد عليه الإمام علي بن الحسين عليه السلام فقال: “الله يتوفّى الأنفس حين موتها.. وما كان لنفسٍ أن تموت إلاّ بإذن الله…”. فغضب ابن زياد فأراد قتله على جرأته وتجاسره على الطاغية بتلك الأجوبة، فتشبّثت به عمّته زينب وتعلّقت به، وقالت لابن زياد: “يا بن زياد، حسبُك منّا ما أخذت، أما رويتَ من دمائنا؟ وهل أبقيت مِنّا أحداً؟ أسألك الله ـ إن قتلته لمّا تقتلني معه”.
المحطّة الثالثة: في الشام
أمّا في الشام وحيث الدور الإعلاميّ أكثر تأثيراً من قعقعة السيوف وطعن الرماح مع ما يستبطن من فضح وكشف واحتمال تصفية وقتل، يقف الإمام السجّاد عليه السلام في مجلس يزيد، فينبري بعد أن يحمد الله ويثني عليه مسفّهاً الدعاوى الأموية التي حاولت تشويه نهضة أبيه، وتزييف أهداف ثورته، وعرّف عن نفسه لأنّ في بلاد الشام كانت الصورة عن أهل البيت عليهم السلام غير واضحة، بل مشوّهة تماماً، فقال: “يا معشر الناس: فمن عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أُعرّفه نفسي، أنا ابن مكّة ومِنى، أنا ابن مروة والصفا، أنا ابن محمّد المصطفى… أنا ابن من علا فاستعلى، فجاز سدرة المنتهى، وكان من ربّه قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلّى بملائكة السماء مثنى مثنى، أنا ابن من أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن عليّ المرتضى، أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن خديجة الكبرى، أنا ابن المقتول ظلماً، أنا ابن المجزور الرأس من القفا، أنا ابن العطشان حتّى قضى، أنا ابن صريع كربلاء، أنا ابن مسلوب العمامة والرداء، أنا ابن من بكت عليه ملائكة السماء، أنا ابن من ناحت عليه الجنّ في الأرض والطير في الهواء، أنا ابن من رأسه على السنان يُهدى، أنا ابن من حرمه من العراق إلى الشام تُسبى… أيُّها الناس إنّ الله تعالى ـ وله الحمد ـ ابتلانا أهل البيت ببلاء حسن، حيث جعل راية الهدى والتُقى فينا، وجعل راية الضلالة والردى في غيرنا”.
المحطّة الرابعة: في المدينة المنوّرة
دوره العلميّ:
ليس الحديث عن الدور العلميّ للإمام السجاد عليه السلام ممّا تجمعه السطور، أو تفي بالتعبير عنه، ولكن حسبها أنّها تأتي بمعالم تفصح بعض إفصاح عن ذلك الدور وما كان يتمتّع به صاحبه من منزلة.
فلقد عاش الإمام زين العابدين عليه السلام في المدينة المنوّرة، حاضرة الإسلام الأولى، ومهد العلوم والعلماء، في وقت كانت تحتضن فيه ثلّة من علماء الصحابة، مع كبار علماء التابعين، فكان بشهادة أكابر أبناء طبقته والتابعين لهم، الأعلم والأفقه والأوثق، بلا ترديد. فقد كان الزهريّ يقول: “ما كان أكثر مجالستي مع عليّ بن الحسين، وما رأيت أحداً كان أفقه منه”. وممّن عرف هذا الأمر وحدّث به الفقيه الشهير سفيان بن عُيينة، وبمثل هذا كان يقول الشافعيّ محتجّاً بعليّ بن الحسين عليه السلام على أنّه كان (أفقه أهل المدينة)[7].
هذا، وقد كانت مدرسته تعجّ بكبار أهل العلم من حاضرة العلم الأولى في بلاد الإسلام، يحملون عنه العلم والأدب، وينقلون عنه الحديث، ومن بين هؤلاء: زيد ابنه، وكذلك ثوير بن أبي فاختة، وسعيد بن جبير ويحيى بن أم الطويل، الزهري، وعمرو بن دينار، وغيرهم، وقد حدّث عنه غير هؤلاء من الرجال من خاصّة شيعته من كبار أهل العلم، منهم: أبان بن تغلب، وأبو حمزة الثماليّ، ثابت بن هرمز الفارسي، جابر بن عبد الله الأنصاري، حبيب بن حسان بن أبي الأشرس الأسدي، وغيرهم كثير.



