اراء

محادثات رئيسي وأردوغان بشأن سوريا والعراق وأستانا

بقلم: هدى رزق..

زيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي لتركيا، بدعوة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تناولت سبل التعاون في المجالات الاقتصادية والسياسية. فالتحولات، التي تمر بها المنطقة والقضايا، تُعَدّ حقل اهتمام سياسي كبيراً للبلدين في كل من سوريا والعراق، وهي كانت وما زالت مسار بحث، وأُضيفت إليها الحرب على غزة، والتي أخذت حيزاً أساسياً في مقاربة مشتركة للبلدين، وما ستعكسه من متغيرات في المنطقة، وإنما كل من موقعه، بحيث لكل دولة سياستها التي لا تلتقي عملياً سوى في معارضة الحرب والوقوف إلى جانب الفلسطينيين.

بعد توجه أردوغان إلى إعادة العلاقة بـ”إسرائيل” عام 2022، والانفتاح على الدول العربية التي كان على خلاف معها، طوّر علاقة التبادل التجاري بـ”إسرائيل”، وهو يفصل في سياسته بين المواقف السياسية والتبادل التجاري، تحت ضغوط الأزمة الاقتصادية التي تسببت بها سياساته “الطموحة”.

في حرب طوفان الأقصى، اتخذت كل من إيران وتركيا موقفاً لا يطغى على جهود الطرف الآخر. وحتى لو أثار رئيسي موضوع الحظر التجاري على مستوى القيادة، فلن يقود الأمر إلى تغيير جذري في سياسة تركيا.

أمّا التحديات والاضطرابات في المنطقة فهي تحتّم التفاهم والتعاون على رغم تضارب مصالح البلدين، بحيث فرضت الصراعات في منطقة الشرق الأوسط تحديات مشتركة، أهمها مآلات الوضع الفلسطيني وأهميته، والحركات الانفصالية الكردية، والدور الأميركي الداعم لها في سوريا، وإمكان حدوث الفراغ في حال الانسحاب الأميركي.

كان ملف الأحزاب الكردية الانفصالية مسار نقاش بين رئيسي وأردوغان في أنقرة. التفاعلات التركية – الإيرانية الجديدة فيما يتعلق بالموقف تجاه الحالة الكردية الانفصالية في المنطقة تكتسب زخماً إقليمياً أوسع. إلا أن مقترحات الحل المقدَّمة من إيران وتركيا متعارضة. تعتقد طهران أن قضية شرقي الفرات لن تُحَل بعمليات عسكرية أحادية الجانب، بل فقط بتطبيع العلاقة بين دمشق وأنقرة، ويمكن لمعارضة الوجود العسكري الأميركي أن توفر الأساس للتقارب بين إيران وتركيا.

فالشراكة التركية مع الولايات المتحدة، على أساس حلف شمال الأطلسي، لم تساعدها من أجل القيام بعملية عسكرية ضد “قوات سوريا الديمقراطية”، مع أنها، في الفترة الأخيرة، عمل برلمانها على التصديق على إدخال السويد للناتو، وحصلت على وعد من بايدن بالضغط على الكونغرس من أجل الحصول على طائرات 16.F، وقطع الغيار اللازمة، وليس على توجيه حملة ضد الإدارة الذاتية.

تقف إيران ضد خطط العمليات التركية الأخيرة، والتي استهدفت تل رفعت في غربي الفرات، وتعتقد أن العمليات العسكرية تساعد تركيا على توسيع مناطق سيطرتها في كل من العراق وكردستان وسوريا، وترى في ذلك تهديداً لبنيتها الاستراتيجية. تطرح إيران دمج “قوات سوريا الديمقراطية” في الجيش السوري، إلا أن انقرة لا تراه خياراً ملائماً لها. بالإضافة إلى ذلك، فإن أردوغان مصرّ على حماية تنظيمات المعارضة المسلحة، وهذا ما يعاكس الطرح الإيراني الذي يرى أن السبب الأهم للوجود الأميركي في سوريا هو تأمين “إسرائيل”، وإضعاف دور إيران الإقليمي، وإجبار سوريا على تغيير محورها.

تحاول تركيا تعميق نفوذها في شمالي سوريا والعراق، وتتعارض سياساتها مع سياسات إيران، التي ترى أن نفوذ تركيا في العراق، سواء من خلال انتشارها العسكري، أو العلاقة التي تربطها بحكومة إقليم كردستان والحزب الديمقراطي الكردستاني، تُعَدّ تحدياً محتملاً لاستراتيجياتها هناك.

حافظت تركيا على موقف حذر تجاه هذه الهجمات، وأجرى رئيس الاستخبارات التركية زيارة مهمة للعراق قبل يوم واحد من وصول رئيسي إلى أنقرة. هذه الزيارة أتت ضمن التطورات الشاملة في كردستان العراق. يُنظر إلى محاولة تركيا على أنها لجعل السليمانية بعد أربيل متعاونة معها في سياستها.

اجتماعات آستانا ونتائجها

تسعى إيران وروسيا للمحافظة على الحد الأدنى من حالة الاستقرار في سوريا، عبر تفعيل صيغة آستانا، ولاسيما أن الولايات المتحدة وإيران وقوى المقاومة الإقليمية لها وجود فعلي في الأرض السورية. و”إسرائيل” تستهدف تلك القوى داخل سوريا، بين آنٍ وآخر، على نحو يفسّر وجاهة اللجوء إلى إعادة مسار التعاون السياسي بين قوى آستانا مجدَّداً بهدف إبقاء سوريا في حالة من الاستقرار على الرغم من ارتدادات أزمة غزة عليها، والبحث مجدداً في سبل دفع مسار التطبيع بين سوريا وتركيا، عبر محاولة حلحلة شروط الطرفين من خلال خلق حالة سياسية جديدة تضمن إعادة التواصل عبر صيغة التفاهم الثلاثية الروسية – الإيرانية – التركية.

في النتيجة، تعني توسعة مسار آستانا، من ثلاثي إلى رباعي، عبر إشراك سوريا، أن هناك تغيرات طرأت على طبيعة المناقشات، واستدعى ذلك تغيير المكان، أي إيجاد ساحة جديدة تتسع للمشاورات القادمة بين الطرفين، ولاسيما في ظل الإصرار الروسي على مواصلة المفاوضات بشأن “خريطة الطريق”.

وكان تغيير المكان متوقَّعاً ومتفَقاً عليه، لأن تكون الجولة الـ20 الأخيرة في مدينة آستانا. المبادرة تمت باتفاق رباعي بين الأطراف الأربعة الجديدة للمسار السوري”. توصلت دول مجموعة مسار “آستانا” – أي تركيا وإيران وروسيا، بالإضافة إلى ممثلي الحكومة في دمشق وممثلي المعارضة المسلحة – إلى اتفاق “نظام التهدئة في كل الأراضي السورية ووقف إطلاق النار. وانعكست جملة من التطورات، تمثلت باللقاءات الرباعية على مستوى نواب الخارجية والأجهزة الأمنية، ثم على مستوى وزراء الخارجية، بين أنقرة ودمشق.

ستنتقل اللقاءات إلى دمشق أو أنقرة لمعالجة كل القضايا التي تخص الملف السوري والعلاقات السورية التركية، وخصوصاً قضية اللاجئين ووضع المعارضة، بما في ذلك المسلحة، ومناقشة الاتفاق، في جدول زمني والقضايا الأمنية الأخرى”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى