الاقتصاد اللبناني بين الأزمات والحروب

بقلم: زياد ناصر الدين
في صيف 2017، أي قبل انفجار الأزمة الاقتصادية في لبنان بسنتين، سُئل الراحل زياد الرحباني عن توصيفه للاقتصاد اللبناني، فأجاب أنه “اقتصاد كازينو”، وهمي، وغير منتج.
ويرتكز هذا الاقتصاد على أربع نقاط أساسية:
1– الديون والفوائد على حساب الصناعة والزراعة.
2– المصارف التي تحقق الأرباح على حساب الناس.
3– الفساد والمحاصصة كجزء أساسي من البيئة الاقتصادية.
4– اللاعدالة الاجتماعية التي تزيد ثروة الأغنياء على حساب الفقراء.
في تشرين الأول 2019، ظهرت نتيجة هذه الركائز بوضوح، انفجرت أكبر أزمة اقتصادية في تأريخ لبنان، وارتبط اسم البلد بسمعة تُعدّ من بين الأسوأ عالمياً في القطاعين المالي والمصرفي.
وكان أبطال هذه المرحلة المصارف والسياسة والفساد، فيما كان الضحايا المودعين والموظفين والعسكريين والمغتربين والناس عموماً، ومعهم الاقتصاد كله. ومنذ ذلك الوقت، دخل لبنان فيما يمكن وصفه بمرحلة الأزمات المفتوحة.
الحروب كعامل تدمير تراكمي
لكن أزمة الاقتصاد اللبناني لا تختصر فقط بالسياسات المالية والمصرفية الخاطئة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، تعرّض لبنان لسلسلة من الحروب والاعتداءات العسكرية الإسرائيلية المتكررة، ما حمّل اقتصاده كلفة تراكمية هائلة امتدت لعقود. ولم تقتصر هذه الكلفة على الدمار المباشر، بل شملت أيضاً خسائر التنمية والفرص الاقتصادية الضائعة، بحيث شكّلت الحروب عاملاً أساسياً في تعطيل استقرار الاقتصاد وإضعاف قدرته على النمو.
في عام 1982، نُفذ الاجتياح الإسرائيلي الواسع الذي وصل إلى بيروت، وأدى إلى تدمير كبير في البنية التحتية والمرافئ والمطار، وإلى انهيار النشاط السياحي والاستثماري، فضلاً عن خسائر مباشرة وغير مباشرة قُدّرت بعشرات ملايين الدولارات. والأهم أن ذلك الاجتياح دشّن مرحلة طويلة من عدم الاستقرار أثّرت على النمو لسنوات.
وفي التسعينيات، شهد لبنان، ولا سيما الجنوب، عدوانين بارزين: عملية “تصفية الحساب” عام 1993، وعملية “عناقيد الغضب” عام 1996. وأسفرت هاتان العمليتان عن:
–تهجير مئات آلاف المدنيين.
–تعطيل الزراعة في المناطق الحدودية.
–ارتفاع كلفة إعادة الإعمار.
–تراجع الاستثمار الخارجي.
حرب تموز 2006.. صدمة كبيرة
شكّلت حرب تموز 2006 نموذجاً واضحاً لحجم الكراهية التدميرية التي استهدفت الاقتصاد اللبناني. فقد كان المطلوب إحداث صدمة اقتصادية تعيد البلد مئة عام إلى الوراء. وقدّرت الخسائر المباشرة وغير المباشرة بنحو 7 مليارات دولار، مع تدمير طرق وجسور ومطار ومرافئ ومحطات كهرباء.
لكن ما حدث بعد الحرب حمل مفارقة لافتة، فقد أدّى مسار إعادة الإعمار السريع إلى انتعاش في السياحة والاستثمار والثقة المالية، ووصل النمو في الناتج المحلي إلى 10 في المئة، في مستوى قياسي واستثنائي في الاقتصاد اللبناني.
من أزمة 2019 إلى حرب 2024 وما بعدها
إذا كانت حرب 2006 قد أعقبتها مرحلة تعافٍ نسبي، فإن عدوان 2024 جاء في لحظة انهيار مالي ونقدي بدأ أصلاً عام 2019، ما جعل أثره أكثر قسوة. فقد أدّى إلى:
–شلل اقتصادي في المناطق الحدودية.
–نزوح داخلي.
–تعميق الأزمة المالية القائمة، إذ بلغت الخسائر المباشرة على الأبنية والبنية التحتية نحو 6.8 مليارات دولار.
–خسائر غير مباشرة على الاقتصاد قُدّرت بنحو 4 مليارات دولار.
وزاد الضغط على الاقتصاد استمرار الحرب إلى اليوم، وتعثر إعادة الإعمار بفعل الإشكاليات السياسية الخارجية والداخلية.
ومجدداً، يتعرّض الاقتصاد اللبناني في العام 2026 لحرب تدميرية جديدة، ويواجه تداعيات حرب إقليمية أوسع، في ظل كونه اقتصاداً استيرادياً يتأثر سريعاً بارتفاع أسعار النفط وكلفة النقل والتأمين. ويُضاف إلى ذلك الانقسام السياسي الحاد في الداخل، بما يضعف قدرة الدولة على المواجهة.
في الخلاصة، وعند احتساب الأضرار الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، يمكن القول إن كلفة العدوان والخسائر المباشرة للحروب الإسرائيلية على لبنان تجاوزت 50 مليار دولار، فيما بلغت الخسائر غير المباشرة الناتجة من قلق الأسواق وتكرار الاعتداءات على مدى عقود نحو 100 مليار دولار.
أما التأثير الحقيقي لهذه الحروب، فلا يختصر بالأرقام وحدها. فالهدف لم يكن فقط تدمير بنى تحتية أو إلحاق خسائر آنية، بل تعطيل المسار الاقتصادي الطبيعي للبنان، وتحويله من بلد مرشح لأن يكون مركزاً مالياً إقليمياً إلى اقتصاد يعيش دورات متكررة من الاعتداءات والأزمات، بدلاً من التنمية والاستقرار.



