العفّة ومشروع الإصلاح الاجتماعي

لو أننا نلحظ وننظر إلى الناس الذين كانوا يدّعون الإصلاح، ويرفعون رايته، ويسعون نحو التغيير في مجتمعاتهم، فهؤلاء عندما حدث تغيير في المجتمع ووصلوا إلى السلطة، تغيّرت نفوسهم، وأصبحوا عبيداً لشهواتهم، إذ لم تكن عندهم عفة نفس تعطيهم الحصانة، فالإنسان الذي لديه مشروع كبير في حياته، لابد أن تكون عنده عفة نفس في داخله وذاته، وأن لا ينهار أمام المغريات، ولا ينهزم في ذاته أمام الشهوات، متأثراً بوساوس الآخرين، بل عليه أن يكون قوياً ومحصّناً بعفة نفسه وذاته.
وعن الإمام علي (عليه السلام): (العفاف يصون النفس وينزهها عن الدنايا)، أي ان أهم عنصر في عملية الإصلاح والمهمة الأكبر في المشروع الناجح هي النزاهة، فالناس يتبعون الشخص النزيه، وإذا لاحظوا أي اختلال عنده سوف يتركونه ولا يسيرون وراءه.
فالإنسان يحتاج إلى أن يملأ قلبه بالصالحات، وبالأعمال الطيبة، والأفعال الجيدة، ليكون منيرا في داخله وأعماقه ونفسه، مستريحا في ذاته، ويكون سعيدا في حياته، هذا ما يحققه امتلاء القلب بالصالحات، وامتلائه بالعفة والنزاهة والصلاح وعدم الفساد، لكن هؤلاء الذي يكونون حزينين دائما في حياتهم، فهذا هو الحزن السلبي العدمي، فالكآبة هي نتيجة لعدم وجود نزاهة في سلوك الإنسان وأفكاره.
أما الإنسان النزيه فهو دائما خفيف في روحه ونفسه، منطلقا في حياته، يسير على الأرض سعيدا ومرتاحا، مطمئنا وبعيدا عن هذه الملوّثات التي غالبا ما تكون حوله، وكذلك بعيدا عن الضجيج الموجود حوله، فهو لا يستمع للصخب المادي والضجيج الاستهلاكي.
الاكتئاب وشراهة الطعام
تؤكد بعض الدراسات، أن بعض الأكلات التي تقدمها المطاعم تؤدي إلى حالة من الاكتئاب عند الإنسان، ولذلك لا يتمتع بالسعادة لأنه مصاب بشراهة الطعام وحب اللذات، والأكل الكثير والإدمان المستمر على ارتياد المطاعم، وهذا يجعل الإنسان لا يشعر بالإشباع، ولا توجد عنده لذة حقيقية في أكله ولا في حياته.
لذلك فإن النزاهة وعفة النفس تؤدي إلى سعادة الإنسان، ومن ثمرات الرواية أن الزهد كذلك يؤدي إلى سعادة الإنسان في حياته، كونها بسيطة كما ذكرنا سابقا، ولكن عندما تمتلكه الأشياء سوف يغرق فيها، ولكن عندما تكون الأشياء المحيطة به قليلة جدا وبقدر حاجته، فيكون خفيف المؤونة وخفيف الحجم، وبالتالي يكون سعيدا ومرتاحا ومطمئنا.
مخاطر الطلب الكثيف
وعن الإمام علي (عليه السلام): (لا فاقة مع عفاف) وهذا مفهوم عظيم في حل المشكلات الاجتماعية، والاقتصادية، والذاتية عند الإنسان، الفاقة تعني الاحتياج الشديد، الفقر، العيش في حياة بائسة وشقية، الفاقة هي سلسلة من المشكلات التي يعيشها الإنسان وفيها جانبان، جانب مادي وجانب نفسي.
في الجانب المادي للمفهوم، كلما تقل حاجات الإنسان ويكتفي بالقليل منها تقل عملية الإسراف والتبذير، فتكون الموارد الموجودة في الحياة كافية للجميع، فلا تحدث الفاقة، لأن الفاقة تحصل من خلال الطلب الكثيف والطلب المستمر والاستهلاك المفرط، إلى أن تصبح الأشياء قليلة.
أي يكون هناك حرص على كل شيء، فترتفع الأسعار وهذا يؤدي إلى ارتفاع التضخّم وعدم قدرة الناس على شراء احتياجاتهم الأساسية، وتنحصر عملية الشراء على من يتمكن على الشراء، أما الفقراء فإنهم لا يستطيعون ذلك، ويُصاب المجتمع بالفقر أكثر فأكثر وتحدث الفاقة.
أما من الناحية النفسية، فإن الإنسان عندما يكون عفيف النفس عن الشهوات المختلفة، فإنه لن يكون مبتليا بالديون، ولا بالمشكلات المادية، لأنه يأخذ من الأشياء بقدر ما يحتاجه، فلا يحتاج إلى أكثر مما يحتاجه هو، ولا يستدين من الآخرين، ولا يبني بيتاً يفوق حاجته من خلال الديون، بل عليه أن يعيش حياة البساطة والكفاف.



