اراء

الندّية الإيرانية تكسر قرصنة الأموال الأمريكية

بقلم / محمد جرادات ..

عكس اتفاق تبادل السجناء بين إيران وأمريكا، مستوى النديّة الذي صفع جبروت الغرور الأمريكي، وخصوصاً ما تضمنه من الإفراج الأمريكي عن 6 مليارات يورو من الأموال الإيرانية المجمدة منذ انتصار الثورة الإسلامية، بما أعطى درساً شافياً للشعوب المستضعفة في طبيعة اللغة التي يفهمها الأمريكي.

إنها لغة القوة أو هي معادلة الصبر الاستراتيجي في مشاغلة الأمريكي ومغالبته في الميادين التي توتر أعصابه، بما يدفعه إلى الرضوخ. وهنا، جاءت المماثلة الإيرانية في اعتقال 5 من الأمريكيين المدانين بالتجسس، وهو فعل تجبن عنه غالبية دول العالم، لترسي معياراً سياسياً أمنياً عابراً للقارات والقدرات، وخصوصاً أن الأمريكي يحق له في العرف العالمي الكسيح ما لا يحق لغيره.

كسرت إيران منذ انتصار ثورتها حاجز الهيبة الأمريكية في جوانب جوهرية عديدة، وهي التي احتجز طلبتها الجامعيون غداة الثورة مئات الأمريكيين في سفارتها في طهران فترة طويلة من الزمن، ما أهّلها لاحقاً لمقارعة العربدة الأمريكية على امتداد الإقليم، كما العالم، عبر البحار وحتى المحيطات، وصولاً إلى فنزويلا، جنوب أمريكا، في عملية كسر جريئة للحصار الأمريكي على تلك الدولة الأمريكية الجنوبية المتحررة من قبضة واشنطن.

لذا، اضطر الأمريكي، وخلال هذا العقد، إلى إجراء 3 صفقات لتبادل السجناء مع إيران، كان أولها في عهد أوباما عام 2016، وشمل 5 أمريكيين و7 إيرانيين. وعام 2019، اضطر دونالد ترامب في أوج انفعاله الجنوني ضد إيران إلى الإفراج عن الأكاديمي الإيراني مسعود سليماني مقابل الجاسوس الأمريكي شيوي وانغ، وهو ما تكرر عام 2020 بالإفراج الأمريكي عن عالميْن إيرانيين في مقابل جندي أمريكي كان محكوماً بالسجن لمدة 10 سنوات في طهران.

ما يميّز اتفاق تبادل السجناء بين واشنطن وطهران هو الاضطرار الأمريكي إلى الإفراج عن المليارات من أموال القرصنة الأمريكية، بما يعيد عقارب الساعة إلى الوراء 4 عقود، إذ لم يعد الأمريكي سيد العالم في وجه إيران، وكوريا الجنوبية الخاضعة للسيف الأمريكي تمرر عبر الوسيط القطري مليارات إيرانية محتجزة بحكم أمريكي جائر، وهو حكم خارج الإرادة الدولية والأممية بحق دولة عضو في الأمم المتحدة.

واليوم، تضطر الولايات المتحدة خانعة إلى إعادة هذه الأموال، وإن باشتراط استخدامها في شأن إنساني واقتصادي، فهي في كل الأحوال دخلت البنك المركزي الإيراني لتضخ فيه سيولة تساعد في كسر الحصار الأمريكي القائم ضد الاقتصاد وكل أشكال النشاط الإنساني الإيراني.

كشف هذا الاتفاق حقيقة الوجه الأمريكي وطبيعة سياسات النهب التي تتبناها الدولة العميقة في أمريكا، وهي سياسات ثابتة تعكس الفكر السائد في العقل الأمريكي الذي يستبيح كل الحرمات لتمرير مشاريعه العدوانية على امتداد المعمورة.

أن تتمكن دولة شرق أوسطية من دول العالم الثالث، وهي دولة إسلامية محاصرة أمريكياً منذ عقود، من إجبار الأمريكي في أوج حربه على روسيا وحدّة مواجهته مع الصين على إعادة أموال منهوبة منذ عقود، بما تحمله من دلالة رمزية مكثفة في فضح السياسة الأمريكية وكشف عري أدواتها في المنطقة، فلا الحصار الظالم، ولا نهب الأموال، ولا اعتقال الأبرياء، يمكنه أن يثني إيران عن ثوابتها الوطنية والإسلامية والإنسانية.

ولكنها الندّية وحدها التي ترغم الأمريكي على النظر في وجه خصومه، برغم الفارق الهائل في القدرات الاقتصادية والعسكرية، وقد اعتاد أن لا يرى غير نفسه، فلا يحق لتركيا، مثلاً، أن تعتقل القس الأمريكي برونسون، برغم ثبوت تواطؤه في محاولة انقلابية ضد تركيا. هكذا يتجسس الأمريكي ويمارس الإرهاب ضد كل دول العالم، ولكنه يتمتع بحصانة حيثما حلّ أو ارتحل.

احتاجت واشنطن إلى 6 أشهر لتقبل الواقع الجديد؛ واقع الإفراج عن الأموال الإيرانية، وهو ما ظهر في النفي الأمريكي الرسمي والحادّ لوجود اتفاق كهذا، عندما أعلنت إيران في شهر آذار الماضي توصلها إلى هذا الاتفاق مع واشنطن، فخرج المتحدث باسم مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض لينفي التصريح الإيراني ويعده كاذباً ومجرد زعم واختلاق للأمور، ولكن جو بايدن خرج اليوم مع وزير خارجيته بلينكن ومنسق اتصالات مجلس أمنه القوميّ للترحيب بالاتفاق المنجز والتبرير بأن الأموال الإيرانية المجمدة كانت طوال الوقت متاحة لأغراض إنسانية، وأن وقف تحويلها ممكن إذا استخدمت لغايات غير إنسانية.

الكذب الأمريكي قبل 6 أشهر في نفي وجود اتفاق مع إيران، كما تكرار الكذب حول إنسانية تلك الأموال منذ احتجازها، يشير إلى مستوى الإرباك الأمريكي في التعامل مع النديّة الإيرانية واحتمال تسربها إلى بقية شعوب المنطقة، وهي ترى فيه الأسلوب الوحيد الناجع في مواجهة العنجهية الأمريكية.

لكن الأمريكي كان صادقاً وهو يطمئن حليفه الإسرائيلي الموجوع من هذا الاتفاق، كما أدواته الإقليمية، إلى أن حالة العداء بين واشنطن وطهران ستبقى قائمة، وأن هذا الاتفاق لا يصلح لبناء ثقة بين الطرفين، بحسب تصريحات جون كيربي، متجاهلاً أن السياسة الإيرانية بهذا الخصوص، حتى مع توقيع الاتفاق النووي عام 2015، ظلت تعد أمريكا الشيطان الأكبر في العالم، تبعاً لعقيدتها السياسية التي أرساها مؤسس الثورة، كما مرشدها الحالي، باعتبار الثورة الإسلامية ومحورها المقاوم في صراع أبدي مع الهيمنة الأمريكية ورأس حربتها في “تل أبيب”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى