بين أهداف التفاوض وأدوات القوة.. مأزق المقاربة اللبنانية في مواجهة إسرائيل

بقلم: جهاد حيدر..
يدخل لبنان مرحلة شديدة الحساسية؛ تتقاطع فيها الضغوط العسكرية والأزمات الاقتصادية والانقسامات السياسية مع مسار تفاوضي معقّد، تحكمه موازين قوة إقليمية ودولية غير متكافئة. في ظل ذلك، يبرز الخيار الذي تتبناه السلطة السياسية، والذي يقوم على أن المفاوضات تهدف إلى انتزاع مكاسب سياسية وأمنية تتصل بالانسحاب “الإسرائيلي” وتثبيت الاستقرار.
غير أن الإشكالية الأساسية لا تتعلق فقط بطبيعة الأهداف المُعلنة، أيضًا بالسؤال الأعمق المرتبط بمدى واقعية المسار المعتمد لتحقيقها، وبالعلاقة بين الغايات السياسية والأدوات الفعلية المستخدمة للوصول إليها؟ فالتفاوض في الصراعات غير المتكافئة لا يجري في فراغ قانوني أو دبلوماسي محايد، إنما ضمن بيئة تحكمها القوة والقدرة على فرض الكلفة وتعديل حسابات الخصم. من هنا؛ تبرز معضلة المقاربة اللبنانية الحالية: هل يمكن تحقيق أهداف كبرى من دون الاستناد إلى عناصر القوة التي تمنح هذه الأهداف قابلية للتحقق؟ هل ينسجم الرهان على الوساطة الأمريكية مع طبيعة النموذج “الإسرائيلي” في إدارة التفاوض والصراع؟
تكتسب هذه الأسئلة أهمية مضاعفة، في ضوء التجارب السابقة مع “إسرائيل”، والتي أظهرت أن المفاوضات لم تكن يومًا منفصلة عن ميزان القوة الميداني، بل غالبًا ما استُخدمت أداةً لإدارة الوقت وتثبيت الوقائع وإعادة صياغة الشروط السياسية والأمنية بما يخدم المصالح “الإسرائيلية”. من هذا المنطلق؛ يصبح النقاش في المسار اللبناني الحالي نقاشًا يتجاوز حدود التكتيك السياسي، ليمس جوهر الرؤية التي تحكم إدارة الصراع ومستقبل التوازنات في لبنان والمنطقة.
تكمُنُ المشكلة الأعمق في أن المقاربة اللبنانية الحالية تبدو كأنها تتعامل مع التفاوض مع “إسرائيل” بوصفه عملية دبلوماسية تقليدية، في حين تُظهر التجارب التأريخية أن النموذج “الإسرائيلي” للتفاوض يقوم على منطق مختلف تمامًا. هذا النموذج لا يفصل بين السياسة والقوة، بل يستخدم المفاوضات امتدادًا للصراع بأدوات أخرى. لذلك؛ فإن التفاوض يجري غالبًا تحت النار، أو تحت تأثير التهديد المستمر بإعادة التصعيد، ما يسمح لــ”إسرائيل” بخلق وقائع ميدانية قبل تثبيتها سياسيًا.
كما يعتمد هذا النموذج على عامل الزمن؛ بوصفه أداة استراتيجية بحد ذاتها. إذ طالما أن كلفة الوقت منخفضة على “إسرائيل”، فإن إطالة أمد المفاوضات تتحول إلى وسيلة لاستنزاف الطرف المقابل نفسيًا وسياسيًا واقتصاديًا، ودفعه تدريجيًا نحو تقديم تنازلات إضافية. ليس من وسيلة، في هذا السياق، إلا المقاومة التي تجعل الزمن عامل استنزاف أيضا لقوات الاحتلال وللمستوطنات.
يزداد هذا الخلل تعقيدًا حين يكون “الضامن” الأساسي للعملية التفاوضية هو الولايات المتحدة، والتي لا يُنظر إليها “إسرائيليًا” وسيطًا محايدًا، بل هو امتداد استراتيجي لمنظومة الدعم والحماية السياسية والعسكرية.
في هذا السياق؛ يصبح الرهان اللبناني على الوساطة الأميركية وحدها رهانًا إشكاليًا؛ لأن الوقائع الإقليمية والسوابق التفاوضية لا تشير إلى وجود استعداد أميركي فعلي لفرض أثمان جدية على “إسرائيل” مقابل أي تفاهم. إذ إن المؤشرات توحي بخلاف ذلك: أي استخدام التفاوض أداةً لإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية اللبنانية بما يتلاءم والمصالح “الإسرائيلية”، لا بكونها عملية متوازنة لإنتاج تسوية مستقرة.
الأكثر خطورة هو أن السلطة اللبنانية تبدو كأنها تفصل بين أهدافها المعلنة وبين عناصر القوة المتاحة لها. إذ في الوقت الذي يجري فيه تجاهل أو تقليص دور المقاومة، كونها أحد أبرز أوراق الضغط اللبنانية، تتراجع أيضًا الاستفادة من التحولات الإقليمية، ومنها التبني الإيراني العلني لمطلب وقف الحرب والانسحاب “الإسرائيلي” شرطًا لأي اتفاق. هذا يعني عمليًا أن السلطة تدخل عملية تفاوضية معقدة، وفي الوقت نفسه، تحاول تعطيل مفاعيل عناصر القوة الضاغطة المحلية والإقليمية.
من الواضح أن هذه الاستراتيجية تهدف وتؤدي إلى إدارة للخسارة لا إلى مسار لفرض الشروط، مثل الانسحاب “الإسرائيلي” ووقف الاعتداءات واستعادة الاستقرار. في بيئة إقليمية يحكمها ميزان القوة أكثر من منطق القانون الدولي، يصبح غياب عناصر الردع عاملًا يدفع الطرف الأقوى إلى المزيد من التشدد، لا إلى تقديم التنازلات.
خلاصة الأمر أن المعضلة اللبنانية الحالية هي بين رؤيتين لإدارة الصراع: رؤية السلطة التي اعتمدت سياسة تقديم التنازلات، ولم تؤدِ إلا إلى مزيد من العدوان والتغول والوحشية “الاسرائيلية”. ورؤية أخرى ترى أن أي تفاوض مع “إسرائيل” لا يمكن أن ينتج نتائج فعلية ما لم يستند إلى عناصر قوة حقيقية تفرض كلفة على الطرف المقابل.
بين هذين المسارين، يبقى السؤال المركزي: كيف يمكن للبنان أن يحقق أهدافًا استراتيجية كبرى، فيما يتخلى تدريجيًا عن الأدوات التي تمنحه القدرة على فرض هذه الأهداف أو حتى الدفاع عنها؟



