غفلة السلطان في دولة القيل والقال

بقلم/ منهل عبد الأمير المرشدي..
اختلطت الأوراق بين الجموع، كما استجد الفتح على المبتدأ المرفوع والخبر الذي أمسى منصوباً، رغم أنف سيبويه في دولة الردح وصراع القدح والمدح، حدثنا الرواة الثقات من أهل السير والمقامات عن سلطنة تدعى سلطنة (القيل والقال) أكثر ما يميزها فوضى الجدال وتقلب الأحوال وكثرة السؤال وظهور القيادات وتفشي الزعامات.. بقعة جغرافية عجيبة وأمتها محسوبة بين الأمم الغريبة.. يمتاز أهلها بطول اللسان وسطوة أهل الهذيان وقلة الإحسان وتقلب الألوان وعبادة ما شاءوا من الأوثان في كل آن وأوان. مجتمع كأنه موبوء بداء الجدل مبروء من حسن النوايا ونزاهة العمل واستوى في الردحِ عندهم الحاكم والمحكوم والأمير والمأمور. وفي غفلة من تصاريف القدر تربع على عرش هذه السلطنة سلطان أبكم أصم قلما ينطق بكلمة. جلس سيادته فوق منصّة الصمت الرهيب يرقب رعيته ذات الصراخ العجيب في مفارقة أبكت المألوف وأضحكت أرباب الحتوف! ولأن حقوق الأمة وحتى تكبيرات الحجيج تضيع بين تداعيات الصمتِ والضجيج، فيا ليت شعري كيفَ يطمئن العباد وتدار البلاد إذا كانَ الراعي صامتاً والرعية في صراع الجهل والإثم والعناد؟ لقد آلت حقوق الشعبِ إلى زوال وتحولت مطالبهم إلى محض قيل وقال، فإذا خرج المواطن يشكو الفقر والجوع وظلم أهل الفساد يغدو متهماً مداناً بسوء الأدب وأنه ذيل أو عميل مرهون القرار
فيسأل السلطان حاشيته عن أسباب هذا الصراخ، فيتبرع بوق من أبواق النفاق ويقول يا مولاي، إنه يمدح عدلكَ الميمون ويشكر فضلكَ المخزون. فيهز السلطان رأسه بالرضا والقبول ويظن الشعب أن صراخه قد أصاب المأمول! فترجع الرعية إلى البيوت منتشية بـطولِ لسانها وحرية بكائها وخوفها ونواحها. طوفان يقترب والكل ينتظر المجهول، ولم تقف العبثية عندَ ضياع الحقوق بل تعدته إلى تدمير الثوابت وكشف المستور، أزمات تحيط بالسلطنة وخزانة الدولة خاوية والوزراء يشتمون الأيام الخالية. وفي مجلس الشورى أشار إليهم بوضع الخطط لإنقاذِ ما ضاع وما يضيع، فقرر جهابذة المجلس، أن كل الشعب متهم بالخيانة وتدخل الجمهور بالصراخِ والولولة وتحولت السلطنة إلى حلبة يتصارع فيها ثيران الزعامات، أما السلطان فقد كانَ يرفع يديه يائساً يطلب السكينة وينصب المبتدأ ويرفع الخبر، فماتت الحلول في مهدها وغرقت البلاد في نكدها، فذهبت الحقوق أدراج الرياح وضاع المستقبل بين العويل والنواح وبقي السلطان الأخرس مثلاً لكلِ زمان فربما يكون بلاء الإنسان من طول اللسانِ وقلة الإحسان.



