أين تختفي الأحزاب الإسرائيلية؟

بقلم: د. أماني القرم..
لا يوجد مجتمع في العالم يُنشئ أحزابا ويفتت أخرى بقدر ما يفعلون في إسرائيل.. فكل شيء في المعركة الانتخابية المعقدة وارد.. هل سمعت يوما بتسمية حزب سياسي باسم مؤسسه؟ مثلا حزب “أحمد” أو حزب “روبرت” أو حزب “ستارمر”! بالطبع لا.. قد يتم تنسيب الحزب للشخصية الأكثر نفوذا فيه كالقول أن الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة أصبح حزب “ترامب” لطغيان شخصية الرئيس الأمريكي عليه.. في إسرائيل نفتالي بينيت رئيس الوزراء السابق فعلها .. فمن أجل ضمان عودته للساحة السياسية أنشأ حزبًا هذا العام باسمه حزب” بينيت 2026″، والذي تحالف لاحقا مع يائير لابيد مؤسس حزب “يوجد مستقبل” . فاختفى الحزبان الأول والثاني وولد حزب جديد أسمياه” معا” ليخوضوا معركتهم الشرسة لإسقاط بنيامين نتنياهو في الانتخابات القادمة . في السابق أيضا فعلها اريئيل شارون فانشقّ عن الليكود وأنشأ حزب كاديما وذهب شارون وذهب كاديما وراءه.
ظاهرة ” الأحزاب الموسمية” حيث تظهر أحزاب فجأة وتختفي فجأة أو “التفتتية الحزبية” بدأت تتزايد منذ أواخر العقد الماضي تبعًا لمتطلبات النجاح في الانتخابات. فلماذا تختفي الاحزاب في إسرائيل؟
ـ أولا: أحزاب معادلة نعم لبيبي ولا لبيبي: جدلية وجود نتنياهو كوجه سياسي يتزعم الحالة السياسية في إسرائيل على الرغم من محاكماته المستمرة (منذ عام 2019) واتهاماته بالفساد حيث بات التنافس الانتخابي يدور حوله في ظل غياب التنافس التقليدي بين اليمين واليسار، أدى الى تصدع في حزب الليكود وانشقاق أسماء بارزة عنه مثل موشيه يعلون ونفتالي بينيت وجدعون ساعر من اجل تقديم بديل يميني توافقي، ولكن لأن المسألة لا تتعلق بالنزاهة السياسية كما يدعون وإنما تتعلق بالنجاح في الانتخابات فقد فشلوا جميعا واختفت أحزابهم وظهرت أخرى..
ـ ثانيا: نسبة الحسم: وهي النسبة المطلوب الحصول عليها من الأصوات الانتخابية كحد أدنى ليتمكن الحزب من دخول الكنيست. وقد لعبت هذه النسبة دورا محوريا في ظاهرة اختفاء الأحزاب. وحتى العام 2014 كانت النسبة منخفضة (2%) مما أدى الى فوز أحزاب صغيرة لها مصالح ضيقة دون جماهيرية كبرى أو هيكلية تأسيسية كالاحزاب الكبرى . ومع ارتفاع النسبة الى (3.25 % ) بعد العام 2014 فشلت بعض الأحزاب في تجاوزها وبالتالي اختفت من الساحة السياسية . ولعل المثال الأكبر هو حزب ميرتس اليساري الذي فشل في انتخابات الكنيست 2022 واختفى تماما ليندمج لاحقا مع حزب العمل في العام 2024 لتكوين حزب جديد يسمى” الديمقراطيون”.
ـ ثالثا: الشخصنة: بمعنى طغيان نفوذ القائد الفرد على معايير تشكيل الحزب التقليدية كالآيديولوجيا والمؤسسات والانتخابات التمهيدية في الحزب.. في معظم الاحزاب الجديدة في إسرائيل تغيب هذه المعايير من أجل سلطة فرد واحد هو المؤسس الذي ينفرد بالقرارات والتوجهات والمواقف حتى بتشكيل القائمة الحزبية وشكل التحالفات مثل حزب “إسرائيل بيتنا” لليميني المتطرف أفيغدور ليبرمان. وحزب” يوجد مستقبل” للعلماني الوسطي يائير لابيد. ولهذا من المنطقي انه باختفاء المؤسس يختفي الحزب .
وحتى موعد الانتخابات القادمة عندهم ستبقى صراعات البقاء لأحزابهم بين صعود وهبوط، وسنشهد تكتلات وانشقاقات غير مسبوقة هذه المرة. عموما تحتفظ إسرائيل بالمعدل الأعلى عالميا بين الأنظمة البرلمانية في ظاهرة اختفاء الاحزاب.



