العبث العربي.. من مخيم عين الحلوة الى السودان مروراً باليمن

بقلم: علي الزعتري..
حين يشتعلَ مخيمٌ فلسطينيٌّ هو مدينةٌ بمدينةٍ وتتطايرَ الطلقات “الخفيفة” والثقيلة في معركةٍ بين عبثيينَ فلسطينيين، فلا يمكن تسميتهم إلا بما يستحقون من عبثيةٍ. نسألُ ما هو ذنب صيدا المدينة اللبنانية المحتضنة لمخيم عين الحلوة، أن تتحمل بلديتها ويعاني مواطنوها عبئاً أمنياً باعثاً للخوف وعدم الاستقرار سببهُ صراعٌ غير مفهومٍ، إلا بالتبعيةِ السقيمة الفلسطينية لهذا وذاك، وهي تبعيةٌ لا تحملُ وطنيةً ولا ديناً بل جحيماً للمواطنين واللاجئين.
وما هو ذنب سكان المخيم المدنيين المحاطين بسلاحٍ سائبٍ وأهواءٍ لا فيها ذمةَ الوطن ولا ضميرَ الجارَ وهو بجوارٍ مدنيٍّ ويقاتل ليس في ساحةَ حرب ضد عدو بل ضد دمهِ وعِرضهِ؟ إنها المهزلة الفلسطينية العبثيةُ المتكررةُ التي رأيناها ونراها في المخيم وفي صراع الدِيَكةِ داخل فلسطين حين يتحول الأخ لعدوٍّ ينقَضَّ على أخيه ولو في حُرمةِ دارهِ وينافسَ محتلهُ في الظلم.
وحينَ يستعِرُ قتالَ السودان قاصماً ظهرَ البلادِ ومهدداً بالفعل تقسيمَ السودان، وهو الهدفَ الذي يسعى له عدو السودان، أيَّاً كانَ هذا العدو، فهي العبثية. كيف يعيش السوداني الذي تشرّد ببلادهِ وببلادِ المهجر في ظل غياب الأعمال وانقطاعِ الدخل الفردي وانحسار المدخرات؟ ندري عن تعليمٍ تعطل وقطاعٍ صحيٍّ تهتك ومنشآتٍ خرجت من الخدمة العامة. هذه هي الكارثة الإنسانية التي ضربت كل عائلةٍ بمدينةٍ سودانية حيث القتال “الأخوي” فزادتها فقراً ومرضاً. عبثٌ حول من يمون في السلطة تؤججهُ ولاءاتٌ خارجيةٌ تمد السلاح والمقاتلين. لقد فشلت اجتماعات جدة وتفشل اجتماعات القاهرة ويخرج من المعادلة المبعوث الأممي وتتجمد مبادرات الاتحاد الأفريقي وتنكسفُ الجامعة العربية وهي الأكثرَ فشلاً في عجزها الموروث عن التدخل لوقف العبث. ولا يتوقف سيل التصريحات المتناكفة ولا سيل الدم السوداني. عبثٌ وخرابٌ لا يتخيله عاقل بوطنٍ عريقٍ ثريٍّ يتميز بالعقول والخبرات وتسيطر اليوم عليه الجاهلية. وطنٌ ينحتُ فيهِ رصاصُ الأشقاء عاراً في سمعة السودان وثِقَلِهِ.
هكذا دواليك، في اليمن السعيد المقسم على أساسٍ مذهبي وعقائدي وتَبَعيٍّ للخارج، في سوريا التي لا تحتاج للشرح، في انتقال قوات الاحتلال الأمريكي بأريحيةٍ بين العراق وسوريا، ثم يشتعل الجدل المتكرر في الكويت والعراق عن الحدود بينهما في خور عبد الله وكأن حرباً واحدةً كارثيةً لم تكف.
عندما تُقامَ المهرجانات الاحتفالية المكلفة والمفسدة فيما فئاتٌ تكثرَ يومياً من الشعب العربي يطالها جوع البطالة وقهر الديون لهو شيء في قمة هرم العبثِ المجتمعي. ولا من مستمعٍ لواعظٍ صارَ محبوساً بكلمةٍ أو مسؤولٍا ذا سلطة بات غير مكترثٍ بهذا الانزلاق الأخلاقي، نحو الكارثة دونَ شكٍّ حول حصولها، فهي مسألةَ وقت. ويصاحبها الانتشار المريع للمخدرات والمهلوسات بين فئات المجتمعات العربية حين المسؤولية عن هذا تعد تصنيعاً وتصديراً واستهلاكاً تقع على مجمل الكيان العربي حكومةً وناساً، فهناك من يصنعها ويحميها ويبعثها ويشتريها ويبيعها ويستهلكها. هذه الموبقاتُ تجرُ بعضها البعض وما يبدأ ترفيهاً ولهواً ينتهي احتراقاً وخراب بيوتٍ في ظل تصميمٍ عبثي عربي على نقل المجتمعات للحرية المبتذلة، الظاهرة للجميع، والمحمية بالقوانين. عبثٌ أنه في زماننا تُحمى الفواجر واسم الجلالة يُسبُّ ولا من يحميه. إلى أين وصلنا وسنقود أنفسنا؟.
بمقالتي عن العرب والكوارث تكلمتُ عن الحاجة للتنسيق الداخلي والعربي الواسع بمواجهة القادم من كوارث واقعةً لا محال وقرأتُ تعليقات الغاضبين من الحال العربي الحاضر بمواجهة الكوارث، وأتفق معهم. وهنا أؤكد أن العبث المتأصلَ ببلادنا نراهُ في صرف الملايين على الأمن والسلاح، الذي يصل لثلث ميزانيات الدول، على أهميتهما، ولا نراهُ بذاك الكم لتحسين وبناء بُنىً تحتيةً باستدامةٍ صحيحةٍ يستفيد منها المواطن وذريته. وما الأمنُ إن لم يأمنَ الإنسان على حياته ومستقبل مجتمعه تعليماً وصحةً ومسكناً وعملاً.
إنه العبث بالناس وحياتهم المفقودة وهم أحياء كما وهم أموات. بل أنه العبث الداخلي المهترئ بالفسادِ والعبثِ الخارجي المزهُو بالنفوذ فيما العابثُ الخارجي والتابع الداخلي يرتعُ محبوراً بعبقريتهِ والدهاء السياسي والاقتصادي والمجتمعي الذي يمكنه من تحريك التوابع للقتال والفصال والانفصال وتنويع الابتذال بأشكالهِ والإثراء ببيعِ وشراء أرواح البشر عبر إهمالٍ فاضحٍ لمتطلبات النماء الآمن.
أنا أنظرُ للوطن العربي على أنه وحدةٌ واحدةً والواقع كما نعلم أنه ليس كذلك لكن كوارثه البشرية هي من صنع يد العرب المتحدة وعملهم قبل يد من يقولون إنه العدو المتربص بهم. كيف نفهم أن يقوم عربٌ بذبحِ عربٍ عبر السياسة الاستحواذية وشق البلدان والسيطرة عليها ثم يقوم ذات العرب بالمساعدة الإنسانية للمذبوحين؟ في أي عُرفٍ أو دينٍ أو تراثٍ هو هذا العبث الذي يدمرنا ولأجيالٍ قادمة؟ وحين تهب العواصف وتهتز الزلازل تطير المساعدات لتقديم العون فأين كنتم قبلها، جميعكم؟ لكنها عبثية العرب حين يجتمعون للتخريب ببعضهم ويتفرقون حين يجب أن يتعاونوا لبناء عروبةٍ كريمةٍ لبعضهم.
هل لا نعلم هذا؟ بلى نعلم. والعالم يعلم وآلاف التقارير والدراسات والأبحاث تعلم. لكن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ويبقى السؤال الإعجازي هو كيف يغير العرب أنفسهم إن لم يعترفوا هم بقصورهم في قياسِ منافعهم المشتركة الأعم على منافعهم الفردية؟ أو إن فضَّلوا منافعهم الفردية على المشتركة، فكيف يمكن أن لا تمتد منافعهم الفردية لأذيةٍ لغيرهم من العرب؟ وكيف لهم أن يؤمنوا أن أفضلَ سبيلٍ لتلبيةِ مصالحهم الفردية هي في الاندماج العربي المشترك في الاقتصاد والتشغيل والانتقال والأمن المشترك؟ كلها مسائل نراها بديهيةً ويراها وليُّ الأمر تفاهةً، فمن هو العابثُ ومِمَّن العبثية؟.



