حزب الله أسقط حلولهم.. فانتقلوا للخيار الاستخباري والأكراد رهانهم

بقلم: فؤاد البطاينة..
الجاسوسية والاستخبارات وتجنيد العملاء، وسيلة تاريخية أساسية لإحداث الاختراقات في الدول والكيانات والجيوش وصولاً للأهداف، واعتمدتها أمريكا وبريطانيا بالتحالف مع الوكالة اليهودية الصهيونية في بدايات القرن العشرين، لتسهيل احتلال فلسطين من العرب وإخضاع دولهم.
ووصلت نجاحاتهم لمستوى غير مسبوق في عالم الدول حيث استطاعوا تأسيس أنظمة عربية وظيفية لدول بحالها على رأسها عملاء، وتمكن الصهيو أمريكي بالمحصلة مستعيناً بهذه الأنظمة من تحقيق اختراقات في معظم الدول العربية وصلت لسدة الحكم والقرار حتى أصبح يعزل حكاماً وينصب آخرين ويفرض عليها سياساتها الخارجية والداخلية وينهبها ويفقرها ويسقط جيوشها مستغلاً التخلف الذي كرسه الاحتلال التركي لقرون، والعقلية القبلية النفعية، والتنافس على كرسي السلطة. كما استطاع العدو تأسيس نظام سلطة أوسلو الذي اختطف بها منظمة التحرير الفلسطينية والقرار الرسمي الفلسطيني وجندها للمهمة الاستخبارية على الشعب الفلسطيني ومقاومته.
ومع ظهور التوازنات العسكرية وتطور التكنولوجيا ازداد الاهتمام بالعمل الاستخباري وتطويره لأهميته في صنع فارق في حسم الحروب أو تحقيق التفوق. وبالتالي أصبح العمل الاستخباري على رأس اهتمامات الدول وتطورت طبيعته ومهامه وتوسعت وسائله، ليصبح جزءا أساسيا من البيئة التحتية للجيوش وأداة لتنفيذ مهام عسكرية من خلال تشكيلات عسكرية أمنية خاصة وضاربة بمعزل عن قوانين الدولة. بل أصبحت أجهزة الاستخبارات والمخابرات في أمريكا وبعض الدول الأوروبية تستنسخ نفسها في بعض العواصم العربية وتمثل الدولة العميقة فيها. ومع ذلك تحتفل هذه الدول بعيد استقلال تدعيه، ودون اعتبار منها لفلسطين محتلة ومستعمرة.
أتكلم بهذا الموضوع الذي كان حاسماً في فشل معظم دولنا وجيوشنا واحتلال فلسطين ولكن من دون تمكن الصهيوأمريكي من استكمال هدفه لا في استقرار كيان الاحتلال ولا في تصفية القضية ولا في إعادة تشكيل الوطن العربي كجزء من مشروع الشرق الأوسط الجديد وإدماج “الكيان المتأسرل” كسيد إقليمي، والسبب هو بروز العائق المُعجز للعدو والعصي على الاختراق والضغوط والمتمثل في حزب الله بسلاحه وعقيدته القتالية وبموقعه المحاذي لفلسطين، وليست إيران مع أنها التي تقف خلفه وخلف المقاومة الغزية.
فمهما بلغت إيران من القوة فلن تُشكل قوة ضاغطة على أمريكا من دون حزب الله، فما يمنع الصهيوأمريكي من شن حرب على إيران هو الخوف من رد حزب الله القاتل للكيان. فهذا العدو يبتعد عن المغامرة بحرب على إيران أو على حزب الله ويركز بدلاً من ذلك على هدف نزع سلاح حزب الله قوامها العمل الاستخباري في المواجهة القادمة. فحزب الله المنتصر بصموده الأسطوري بأسلحة 2006 هو غيره بسلاح 2023.
فما تخطط له أمريكا بات مكشوفاً، وهو توسيع الخيارات أمامها، بإرباك الداخل السوري واللبناني والإيراني وبإحكام السيطرة على الحدود العراقية السورية لتسهيل قطع خطوط الإمداد والتواصل بين الجهات الثلاث وهذا لحزب الله من أعمال الحرب. حيث إذا نجحت أمريكا في هذا فستطمح لفرض ضغوط على إيران وحزب الله تؤدي لتعزيز فرصة التفاوض المفضي لتسوية مع إيران. ولتصبح الخيارات أمام أمريكا ما بين تقديمها التنازلات لإيران من موقع قوة مقابل تسوية أزمتها مع سلاح حزب الله، أو التوجه إلى فرض حصار دولي واسع جداً وطويل الأمد على إيران، أو التخطيط لشن حرب استنزاف نوعية ومستمرة ومحدودة النطاق على المستويين العسكري الخارجي والفتنوي الداخلي.
ومن هنا فللعربي وللمسلم مصلحة كبرى وربما وجودية للعربي في أن تبقى إيران وحزب الله في قوة متنامية. وفي الاصطفاف مع هذا المحور واستعداء كل من يناصر العدو عليه، وتخوين وتجريم كل من يتخذ موقفا رافضا للمقاومة الفلسطينية. ويكفي الحريصين على الوطن العربي وأقطاره وعلى القضية الفلسطينية أن يتخيلوا عدم وجود حزب الله مع إيران محايدة أو مطبعة، حيث عندها لن يكون لدى أمريكا والكيان أي عائق عسكري أو أمني أو سياسي أو زمني لتنفيذ خارطتهما الصهيونية في الوطن العربي، بدءا بتفتيت سوريا ولبنان وطوي ملفات القضية الفلسطينية، ولن نجد من يقول لهذا الكيان كلمة.. لا.
هنا نعود للعامل الاستخباري الصهيوأمريكي باتجاه إيران في تحقيق أهدافه في المنطقة كإقليم وكوطن عربي وقضية فلسطينية. ونستذكر أن ارتباطات الأنظمة العربية العميقة مثل السعودية والأردن في بدايات القرن العشرين ولغاية الخمسينيات والستينيات كانت سرية لخطورتها، ولذلك كان مركز الجاسوسية والتجنيد والاختراقات تجري وتترتب في بيروت ثم انتقلت لقبرص الى أن لم يعد حاجة للصهيوأمريكي بالجاسوسية بعد وصوله للعواصم العربية ولسدة الحكم والقرار والتطبيع. ولكن مع بروز تحدي ايران وحزب الله كعدو فاعل ورادع يحول دون قدرة الصهيوأمريكي على إنجاز أهدافه في المنطقة، نشط العمل الاستخباري الصهيوأمريكي وأصبحت أربيل الأكراد هي البديل ولكن كمستعمرة متقدمة ومركز متكامل ومفتوح أمام أمريكا و”إسرائيل” عسكرياً واستخبارياً وعملياتياً، باتجاه مواجهة هذا التحدي، وبهذا فالزعماء الأكراد يعتقدون أن ثمن دورهم الوظيفي هو حصولهم على دولة في فلك أمريكا عبر الكيان الصهيوني. وهنا فلست بصدد الحديث عن هذا، فهو في الظروف الطبيعية أمر سيادي للدول ولا تلغيه الديمغرافيا المتحركة.
وفي هذا الإطار لست ممن يعترضون على وجود دولة للأكراد في مناطقهم التاريخية الموزعة بين تركيا وإيران والعراق وسوريا بمساحة مقتطعة تتفق مع النسبة العددية لهم في كل دولة، أو اللجوء للخرائط القديمة. وبموجب توافق عام بين الدول المعنية في أطر دستورية حرة. وعلى أن تكون دولة منتمية لمحيطها لا عميلة للصهيوأمريكي ولا خنجراً في جسد الوطن العربي ودول الإقليم. ولست مع استغلالهم حالة الضعف العربية للتحالف مع الغزو الأمروصهيوني والنيل من وحدة وسيادة سوريا والعراق. فهذا من أعمال الخيانة والغزو الأجنبي، لاسيما أن سوريا لم تعامل أبناء الشعب الكردي الشقيق يوماً الا كسادة في دولتهم ومواطنيتهم ولا تستحق من زعمائهم ما يفعلونه باسمهم، ولا العراق الذي منحهم الحكم الذاتي بكل ما تعنيه العبارة من استحقاقات، ولا العرب عامة الذين اتسعت قوميتهم الانسانية.



