اراء

قمة مجموعة العشرين في الهند.. تحديات وفرص لرسم معالم مستقبل جديد

بقلم: الدكتور وائل عواد..

ترّكز وسائل الاعلام المحلية والعالمية على القمة المقبلة لمجموعة العشرين التي تستضيفها الهند، بعد نجاح قمة دول البريكس في جنوب افريقيا، التي ضمت عدداً من الدول المهمة، لتعزيز التعاون ورسم معالم خارطة “لأسرة عالمية جديدة”.

ومن المتوقع أن يحضر القمة، زعماء أكثر من 25 دولة، ويغيب عنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، واحتمال غياب الرئيس الصيني شي جين بينغ، وسط خلافات غير معلنة حول صيغة البيان المشترك الذي سيتم الاتفاق عليه فيما يتعلق بالحرب الروسية الاوكرانية.

تمثل هذه القمة الضخمة، فرصة كبيرة لتحقيق تعاون دولي، على الرغم من إصرار الولايات المتحدة والدول الغربية على ادخال الملفات السياسية للمجموعة، بعد ان اصبحت أوكرانيا الشغل الشاغل للولايات المتحدة والدول الغربية، لإدانة روسيا وعزلها واستهداف حلفائها بالتهديد بالعقوبات والمقاطعة وعلى رأسها الصين المنافس الرئيسي لهيمنة الولايات المتحدة .

إلا أن هناك قضايا عالمية أخرى تحتاج الى مواقف دولية مشتركة مثل قضية تغيير المناخ والتزامات الدول المتقدمة بمشاريع التنمية في الدول النامية والقضايا التنموية التي تهم الحبوب العالمي، الوقود الاخضوري، التجارة العالمية وتعزيز الاستثمارات، قضايا الملكية الفكرية وتنظيم العملات المشفرة، إعادة هيكلة المؤسسات المالية والديون السيادية من خلال تعزيز التعاون والتفاهم المشترك بين أصحاب المصلحة الرئيسيين ووضع أنظمة عالمية جديدة.

سوف تتسلم بعد الهند رئاسة مجموعة العشرين البرازيل تليها جنوب أفريقيا، مما يمهد الطريق نحو تعزيز التعاون بين الدول الجنوبية، واتخاذ مواقف مشتركة لرسم خارطة طريق جديدة ووضع استراتيجية لاستدامة جهود التنمية وسبل تعزيزها ومواجهة التحديات العالمية المشتركة ووضع الأسس للمشاركة الفعالة والمثمرة للمساواة بين الشمال والجنوب .

الصعود الهندي من القمر إلى “الشمس” والمريخ

تتقدم الهند بثبات نحو الشهرة في مجموعة متنوعة من المجالات العلمية والتقنية والتنمية البشرية، بدءًا من الرياضة وصولاً إلى الفضاء، بعد أن تمكنت من تحقيق النجاح الأول في العالم، بنجاح مهمة هبوط على سطح القمر الجنوبي، حققت الهند نجاحًا إضافيًا بإطلاق صاروخ فضائي لاستكشاف الفضاء. وتعد هذه الإنجازات مثيرة، حيث إن نجحت مهمة دراسة الشمس سوف تصبح أول مهمة آسيوية تتمكن من الوصول إلى المدار حول الشمس. ووفقًا لتصريحات منظمة البحوث الفضائية الهندية (ISRO)، تعتزم الهند دراسة انبعاثات الكتلة الكرونية، وهذا يمثل خطوة مهمة نحو فهم أفضل للظواهر الشمسية والفضاء.

هناك انطباع عام عالمي ينظر إلى الهند بإيجابية، حيث أظهرت استطلاعات العالمية وكذلك تجاه رئيس الوزراء الهندي بنسبة 46% من الاصوات. في حين قال معظم الهنود، إن النفوذ العالمي لبلادهم أصبح أقوى في السنوات الأخيرة، فإن بقية العالم اختلفوا معهم، فإما لم يروا أي تغيير في مكانة الهند أو رأوا أنها تضعف.

تسعى الهند جاهدة كي تلعب دورا حيويا في رئاسة المجموعة والظهور كقوة عالمية نامية لها نفوذها في الشؤون العالمية، بعد أن حققت نموا اقتصاديا ملحوظا، وقفزت خطوات طويلة في مجالات التكنولوجيا لتحقيق النمو الشامل والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الخضراء. وتركز الهند على تحسين البنية التحتية والتنمية البشرية لتصبح الملاذ الآمن لجذب الاستثمارات الخارجية والبديل للصين بالنسبة للدول الغربية والولايات المتحدة. فقد وصلت نسبة النمو إلى 6.1% حسب صندوق النقد الدولي. وحسب البيانات الحكومية، سجلت الهند نمواً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7.8% خلال الفترة من نيسان إلى حزيران من 2023 إلى 2024، وهو أعلى مستوى في الأرباع الأربعة الماضية، على خلفية توسع مزدوج الرقم في قطاع الخدمات، مع احتفاظها بمكانتها كأسرع الاقتصادات الرئيسة نمواً في العالم.

بيد ان عدداً من الخبراء الاقتصاديين يتخوفون من التأثير الاقتصادي السلبي بسبب نقص الامطار الموسمية والتضخم الغذائي وارتفاع أسعار السلع الغذائية، على الرغم من التدخلات الحكومية ووصول مخزونات جديدة.

التحضيرات للقمة

أكملت الهند، الاستعدادات والتحضيرات اللازمة لاستضافة قمة مجموعة العشرين المزمع عقدها في التاسع والعاشر من ايلول 2023. وتحولت العاصمة الهندية دلهي، إلى قلعة محصنة بالتحضير لهذا الحدث، حيث أعلنت الحكومة عن عطلة تمتد من الثامن حتى العاشر من الشهر، مع فرض حظر تام على حركة السير وتعزيزات أمنية صارمة. في الواقع بدأت الإجراءات الاستعدادية منذ بداية الشهر الجاري، مع تدريبات مستمرة للفرق الأمنية ونشر قوات إضافية على جميع المداخل إلى العاصمة والمناطق الحيوية وسوف تغلق الأجواء أمام حركة الطيران المدني الوطني والدولي خلال الأيام الثلاثة للقمة.

يُولى اهتمام خاص بدور رئيس الوزراء ناريندرا مودي في قيادة الهند ووضع السياسة الداخلية والخارجية للبلاد. وتُشير الحكومة بكافة وزاراتها إلى دور السيد مودي في جذب الاستثمارات الأجنبية وتحقيق التنمية والتقدم. ويبذل المسؤولون، جهودا حثيثة لإنجاح دور رئيس الوزراء وتوجيه رسائل للناخبين الهنود حول ضرورة دعم حزب بهارتيا جاناتا القومي الهندوسي في الانتخابات البرلمانية القادمة، حيث يُعد رئيس الوزراء مودي “أيقونة” قادرة على إدارة شؤون البلاد وحمايتها وبناء الهند القوية.

مع ذلك، يُعتقد أن الحزب يشعر بالقلق بشأن قدرته على تحقيق الأغلبية في الانتخابات البرلمانية المقبلة والخيارات المحتملة للخسارة في الانتخابات التشريعية في بعض الولايات الهندية المهمة. وهذا دفع الحزب إلى دعوة لعقد جلسة استثنائية للبرلمان الحالي لمدة خمسة أيام في الثامن عشر من الشهر الجاري لمناقشة قضايا تتعلق بقوانين جديدة وقطف ثمار قمة مجموعة العشرين.

على أي حال، تُعقد القمة تحت شعارات تؤكد الوحدة والتعاون ومستقبل مشترك. ومع ذلك، تظل هذه الشعارات أمنيات للدول النامية، في ظل الخلافات السياسية والاقتصادية العميقة بين الدول الكبرى، وربما تبعد عن الواقع الراهن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى