اراء

أين سترحل فرنسا من أفريقيا.. ومتى ؟

بقلم: عمر الكيش..

النيجر تلتحق بركب العداء لفرنسا وانضمت الي شقيقاتها في بوركينا فاسو ومالي هذه الدول الثلاث في الساحل الافريقي تحكمها مجالس عسكرية اكبرهم مجلس مالي العسكري ثلاثة أعوام واصغرهم مولود النيجر الذي لايزال في الحضانة لم يتخطَّ مرحلة الخطر هؤلاء المواليد الجدد لا ينطقون الا بثلاث كلمات، ماما أفريكا بابا روسيا، و(ديقاج) فرنسا وديغاجات أخرى متلعثمة، وكل تسعة شهور قادمة نحن علي موعد مع ولادة مجلس عسكري جديد في افريقيا المعروفة بمعدلات الإنجاب والخصوبة المرتفعة.

ليس سهلا ان تقول في وجه فرنسا (ديقاج) وتطرد قواتها وشركاتها من افريقيا والأهم من كل هذا قدس الاقداس الفرنك الأفريقي، فرنسا مصيرها مرهون في افريقيا، الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران قال بوضوح وشفافية بدون افريقيا لا وجود لفرنسا في القرن الحادي والعشرين؛ الركوب على ظهر أفريقيا والجموح هو من جعل فرنسا سباقة في المرتبة الثانية أوروبيا بعد المانيا والسادسة عالميا كقوة اقتصادية، وبعض الدراسات توقعت ان تحتل فرنسا المرتبة العشرين او ما دون ذلك لو انها نزلت من على ظهر الجموع الافريقية ورحلت .

فلهذا (ديقاج) ليست لعبة يلعبها مواليد روسيا الجدد في افريقيا ولا هي نزهة، هو لعب  بالنار، ورحلة بعيدة وشاقة استعصت على آبائهم وأجدادهم الأولين، في ستينيات القرن الماضي قبل ان يولد هؤلاء الأبناء حاول رئيس النيجر حماني ديوري ان يطالب فرنسا وشركة أريفا بكل أدب ولطف تعديل سعر اليورانيوم المستخرج من أرض النيجر المعدوم وفي الواقع بلده النيجر ما هي إلا (كامبو) لشركة آريفا ومناجمها الثلاثة سومايير وكوميناك وايمورارن، أريفا هذه مفخرة الصناعة النووية الفرنسية الذي اصبح اسمها أورانو هي المنتج الاول للمفاعلات النووية في العالم ولديها مشاريع بناء مفاعلات نووية متكاملة في فنلندا وبريطانيا والصين ودول اخرى والمشغلة لاكثر من 58 مفاعل نووي داخل فرنسا باليورانيوم المنهوب من كامبو النيجر، تغطي هذه المفاعلات 80%‎ من حاجة فرنسا من الكهرباء، ما يجعل من فرنسا تحتل المرتبة الثانية في انتاج الطاقة النووية بعد الولايات المتحدة الامريكية، ويقال ان جهات عده تريد لهذه الشركة ان تنهار وهذا موضوع آخر .

فرنسا ردت على حمادي ديوري رئيس النيجر سنجتمع معكم الشهر القادم في باريس وندرس موضوع تعديل الأسعار، وقبل الاجتماع المقرر بيوم واحد اقتحمت القوات النيجرية القصر الرئاسي وخلعت حماني الحزين وهو يجهز حقائبه للسفر الى باريس، لم يجرؤ بعدها أحد في جمهورية النيجر على ذكر اسعار اليورانيوم بسوء.

احمد سيكاتوري الزعيم الغيني المثل الاعلى للشباب الافريقي رفض دخول بلاده في النظام النقدي الفرنسي الذي تتبعه 14 دولة في وسط وغرب افريقيا لديه بنك مركزي في غرب افريقيا ومركزي اخر في وسطها عملته الفرنك الفرنسي سيفا التي يطبعها البنك المركزي الفرنسي والمربوط بالخزانة الفرنسية ويفرض هذا النظام النقدي على هذه الدول إعطاءه 75%‎ من احتياطياتها من النقد الاجنبي في العقود الاخيرة تم تعديله الى 50%‎ من احتياطي النقد الاجنبي، مع 90%‎ من احتياطيات البنك المركزي لدول غرب افريقيا من الذهب 36 طنا موجودة في البنك المركزي الفرنسي في باريس.

احمد سيكاتوري رفض دخول غينيا في منطقة الفرنك الافريقي سيفا وهذا النظام النقدي المخزي وخاطب الجنرال ديغول في اجتماع علني (اننا نفضل أن نكون فقراء مستقلين على أن نكون عبيدا مترفين) وأعلن عن إصدار عملة وطنية خاصة وبنك مركزي، وهذه طبعًا ام الكبائر ورجس من عمل سيكاتوري وشق لفرنك الطاعة لا ترضاه فرنسا لنفسها ردت عليه بعملية أمنية أسمتها (برسيل) تيمنا بماركة برسيل لمواد التنظيف المعروفة لتطهير غينيا كوناكري من نجاسة سيكاتوري، ولتكون غينيا عبرة افريقية لمن لا يعتبر دمرت العملية المطارات واحرقت المدارس وازالت سكك الحديد واشعلت النيران في الحقول وخربت المعامل والمناجم واغرقت البلاد بالعملة المزورة وبعد الانتهاء من العملية برسيل رد الجنرال ديغول على الزعيم احمد سيكوتوري (بإمكانك الان أن تستمتع بالاستقلال، فالى الجحيم انت وبلادك) ومع كل هذا الدمار غينيا كوناكري صمدت وهي اليوم مستقلة خارج منطقة الفرنك واحتياطياتها النقدية في جيبها المركزي .

سيلفانوسا أوليمبيو اصدر قرارا في 12ديسمبر  1962  بإنشاء بنك مركزي خاص لبلاده التوغو وعملة وطنية بديلا عن الفرنك الافريقي، في نفس اليوم 12ديسمبر 1962 الساعة 11 ليلًا أختطف الرئيس اوليمبيو بعد شهر من الخطف وجدوا جثته مرمية امام باب السفارة الامريكية في العاصمة التوغولية لومي، والي اليوم التوغو عضو دائم في منطقة الفرنك .

توماس سانكارا هو الاخر هاجم الفرنك والهيمنة الاقتصادية علي بلاده بوركينا فاسو في خطاب له امام الجمعية العامة للامم المتحدة في نيويورك مات مقتولا رميا بالرصاص  .

مرتضى الله منصور في نيجيريا ومواطنه ساني أباتشا، وأميلكار كابرال في غينيا بيساو، باتريس لومومبا في جمهورية الكونغو، وغيرهم حدث عنهم ولا حرج  قتلتهم (dégagé/ديقاج) وأخواتها وفرنسا لم ترحل باقية وتتمدد في كل التفاصيل الافريقية تحت الارض وفوقها، فرنسا هي الاوكسجين الذي يتنفسه الساسة الافارقة، الاوراق كلها في يدها هي مصنع الاوراق والوجوه، كل الطرق تؤدي الى باريس، (الرحيل) يبتدىء من باريس وينتهي في باريس!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى