اخر الأخبارثقافية

مسرحية “آخر مرّة”.. جلسة مواجهة مشوبة بالعجز والتعب والعنف النفسيّ

 

 حدثٌ إبداعيّ شهدته بيروت على خشبة “مسرح المدينة”، مع العرض التونسيّ المميّز جدًا لمسرحيّة “آخر مرّة”، الحائز التانيت الذهبي في “أيام قرطاج المسرحيّة” للعام الفائت، تأليف وإخراج وفاء الطبّوبي، تمثيل أسامة كشكار ومريم بن حميدة. وقد أَلِفتْ مسارح العاصمة اللبنانية منذ عقود استقبال عروضٍ متميزة من المسرح التونسيّ ولمبدعين كبار أمثال الفاضل الجعايبي وتوفيق الجبالي ومحمد إدريس، وفي كلّ مرّة كان الجمهور اللبناني يخرج منها منبهرًا، مقدّرًا، مؤمنًا بأنّ في تونس حركة مسرحيّة قد تكون الألمع والأبرز عربيًا، ومن الأفضل عالميًّا، لإبداع فيها وتجديد وإتقان يبلغ حدّ الكمال̸ perfection، نصًّا وإخراجًا وأداءً. وينطبق هذا كلّه على العرض الذي نحن في صدد الإضاءة عليه. مساحة العرض، بدءًا، فارغة من أي ديكور أو بهرج بصريّ. هي معروفة بالخشبة العارية، المتقشّفة، التي تلفّ جهاتها ستائر المسرح السوداء، ما يردّنا إلى فضاءات بيتر بروك وغروتوفسكي وآرتو المجرّدة من أي ديكورات أو أغراض (أكسسوارات) غير وظيفيّة يمكن الاستغناء عنها لحصر التركيز على الدعائم الأولى للعرض المسرحيّ، بدءًا بالممثلين، بلوغًا إلى النصّ والتصوّر الإخراجيّ لحركة الممثل وأدائه الداخليّ والجسديّ. ونرى هنا في “آخر مرة” تطبيقًا سينوغرافيًّا ضمن هذا التوجّه، حيث ليس على خشبة المسرح سوى طاولة مستطيلة وكرسيين، وقد غيّبت الكاتبة والمخرجة القديرة وفاء الطبوبي الديكور تغييبًا تامًا، واكتفت بالطاولة والكرسيين كأغراض وظيفيّة يستخدمها الممثلان بأشكال متنوعة تبعًا للحدث الدراميّ، بل تتخّذ أحيانًا شكل غرفة التحقيق، أو سرير اغتصاب أو صدام عنفيّ، أو جلسة مواجهة مشوبة بالعجز والتعب والعنف النفسيّ… إلخ. فضلًا عن أنّ هذه المساحة المشهديّة الواسعة والمفرغة إلاّ من الحضور الإنسانيّ تتيح للممثلين حرية الحركة (المضبوطة إخراجيًّا وتوجيهيًّا في أي حال وعلى نحو صارم) لشكلَيْ التعبير المتلازمين، العصب الداخلي النفسيّ، والجسديّ الكوريغرافيّ المبهر، وهما يتحرّكان تحت الأضواء (والظلال)، ليزيد بلهادي، بديعة التنفيذ، وفق رؤية المخرجة وتصوّرها، فينهمر الضوء تارةً من فوق وتارة أخرى جانبيًا، أو تُغرق العتمة الممثلَيْن وتغلّفهما على نحو تامّ، تبعًا لأعمق الأصول المسرحيّة، أي دراماتورجيا الضوء، المنسجمة انسجامًا تامًا مع دراماتورجيا النصّ والمناخ المسرحيّ الذي ينبغي أن يُشيع مناخات الحالة النفسيّة المتوتّرة والمأزومة، الصراعيّة والعدوانيّة، المتمزّقة إلى درجة  القتل في حالة من الحالات الثلاث التي يتناولها العرض في لوحات ثلاث مستقلّة. السينوغرافيا إبداع إضافيّ في “آخر مرّة” يضاف إلى إبداعات النص والإخراج والتمثيل التي توصل هذا العمل الرائع إلى درجة تداني الكمال المطلق، لولا الصراخ المفرط قليلًا، والخالي من لحظات صمت ضروريّة في أي عمل مسرحيّ، وهذا ما ألفناه في أيّ حال “سمةً” من سمات المسرح التونسي: الصراخ المفرط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى