العراق في زمن الإجحاف وساحة الإنصاف

بقلم: منهل عبد الأمير المرشدي..
كلما اقرأ شيئاً من ماضٍ بعيد أو قريب لوطني الحبيب، ازداد ألماً وحسرة على ما كان عليه العراق، وما هو عليه اليوم في الزمن الرتيب. كلما اشتقت الى وطني ومفردات ذكرياتي وأشيائي، وجئت متلهفاً مشتاقاً عاشقاً، أعود مكسورا ومخذولا. فما أتعس ان تعاني الغربة وتلقى نفسك بين أهلك وناسك وأنت غريب، لم يعد في بلادي شيء يشبه أشياء بلادي.. حتى التحية والسلام، حتى الكلام لم يعد ذاك الكلام. أفواج من أطفال تسربوا من براءة الطفولة، وشباب لم يعد فيهم قبس من الرجولة، وبنات تبحث عن هوية لم تجدها، وثقافة لا تعرفها، وتاهت بين هذا وذاك. رجال صار أغلبهم يسعى لأجل ان يعيش اليوم، ويأكل اليوم ويغفو اليوم، ولا شأن له بالغد، ولا ما يفعل الأولاد ولا هم يحزنون، ليس الجميع لكنها الآفة تكبر دون رادع، والنار تنتشر من دون ان ينبري لها من يطفئها ونحن في زوال، وأنا أرى هذه الهستيريا في انتشار الجامعات الأهلية والكليات الأهلية التي تخرج لنا طلاباً بعشرات الآلاف لا يجيدون كتابة اسمائهم ويمنحون الماجستير والدكتوراه لكل من هب ودب، حتى صار البعض يتندر وينادي (دكتوراه كل عشرة بربع). استذكر ما قاله الآثاري الأستاذ عامر عبد الرزاق عن (حزورة) سومرية أدهشته حين اخرجوها من طين أرض الرافدين في الجنوب تعود لما قبل 5000 عام جاء فيها: «بيت له أُسس كالسماء.. يبدو كأنه مغطى بالكتان…. بيت إذا دخله الإنسان بعيون مغلقة، سيخرج منه بعيون مفتوحة، فما هو هذا البيت؟ الجواب: المدرسة». تخيلوا هذه الحزورة السومرية عمرها أكثر من 5000 عام من الحضارة والتمدّن، 5000 عام من سن القوانين والبناء والعمران، 5000 عام من الزراعة وصناعة العجلة والعربة، 5000 عام من اختراع الكتابة والحروف والأرقام. قبل 5000 عام أدرك سكان بلاد الرافدين أهمية المدرسة ووصفوا الجاهل بالأعمى والمتعلم بالمبصر. للأسف الشديد صار ما صار ويصير ما يصير بالعراق، وقد كنّا بالأمس القريب على أبواب نهضة وأعتاب قدرة ومشروع اكتفاء لولا فنطزة الدكتاتور الغبي وحروبه الهوجاء وما حل بالبلاد والعباد من بعد سقوطه من احتلال وخراب وفساد وسطوة الأدعياء والهمج الرعاع. بالأمس القريب كان لدينا في محافظات الجنوب معمل لصناعة الورق ومعمل لصناعة الحديد والصلب اضافة الى معمل السكر ومصنع الألمنيوم، مروراً بالفرات الأوسط حيث كانت لدينا مصانع الإسمنت الكبرى ومعامل التعليب ومعمل للإطارات وآخر للبطاريات مع مصنع النسيج والألبسة الجاهزة، فضلا عن بغداد وما فيها من معمل الجلود ومصانع النسيج ومصانع السيارات والدراجات الهوائية، وصولا الى المناطق الغربية ومصانع الزجاج والسيراميك والفوسفات، ونسينا أكبر مصنع لصناعة الثرمستون، فضلا عن مصنع لتعليب الألبان في ابو غريب مع ما كان لأخو هدلة من مخابئ التصنيع العسكري الذي اثبت انه كما يقول المثل الشعبي “اسمك بالحصاد ومنجلك مكسور” .. آهات وآهات وآهات، مجرد ذكريات.



