“أيام آيلة” عندما يكره الشاعر النهايات الحزينة في الحياة

المراقب العراقي/المحرر الثقافي…
يرى الناقد د. محمد ونان جاسم أن قصائد مجموعة (أيام آيلة) للشاعر كاظم العبودي فيها كره من الشاعر للنهايات الحزينة في الحياة.
وقال جاسم في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي” : ارتبط مفهوم الشعر عند أغلب الدارسين بمبدأ الشعور، فالشعر عندهم تعبير عن مشاعر الشاعر وأحاسيسه، وأرى أن هذا الارتباط غير صحيح، فالشعر في أصله اللغوي يعني العلم، فـ (الشِّعْرُ القَرِيضُ الْمَحْدُودُ بِعَلَامَاتٍ لَا يُجَاوِزُهَا، وَالْجَمْعُ أَشعارٌ، وقائلُه شاعِرٌ لأَنه يَشْعُرُ مَا لَا يَشْعُرُ غَيْرُهُ أَي يَعْلَمُ) (لسان العرب: مادَّة “شعر”)، وأرى أنَّ هذا المعنى هو الفاصل بين النظم والشعر ولا علاقة لمصطلح الشعرية بالتفريق بين الإبداع وضدِّه، وقد قيل : إنَّ الإبداع في البدء سيَّره الإيمان ثم سيَّره العقل ثم صار الإبداع مرتبطاً بالحَلْقِ الخيالي ( يُنظر الجمالية الفوضوية : أندريه رسيسلر، ص: 12.) ؛ لذا فكلُّ نصٍّ يُسيّره الإيمان لا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالشعر وكذلك المرتبط بالعقل، وسنكتشف مديات الشعر وتموضعاته .
وأضاف: في خلال قراءتنا لمجموعة (أيام آيلة) للشاعر العراقي كاظم العبودي الصادر من الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2022م، نلحظ أن المستهل النصي قد وافق الاستعلاء النصي في موضعين الأول الإهداء ( معك أذهبُ إلى بداية العالم فإنِّي لا أحبُّ النهايات) والثاني في قصيدته الأولى (في وطني) إذ قال الشاعر:(قمر يأفل في ليل التمام )( المجموعة: 7)، فالنهايات والأفول والآيلة مشتغلات دلالية منتمية إلى حقل النفاد إلا أن الاستعلاء النصي تركه الشاعر لتقدير المتلقي فهي آيلة إلى ماذا؟ أإلى الأمام أم إلى الوراء لكنها بظني آيلة إلى البدايات استناداً إلى إهدائه فالأيام عندما تؤول إلى البدايات فهي تؤول إلى المحو والمحو نفاد، وتابع :نجد أن حقل النفاد هيمن على المجموعة برمَّتها، ومن التراكيب الدالة على النفاد قول الشاعر في قصيدة (في وطني): ( وضعوا الكاتم في حنجرة الطير فمات الحرف في بدء الكلام) و(قبل أن يطبق جفنيه يموت)و( لمَّا كفَّ عن تسبيحه في بطن حوت) و (نُثرت أشلاؤها قبل الولادة وكأن الوأدَ في أحفاد هذي البدو عاده) و(ضخَّ من طول ظلام الليل راح يستسقي من القحط مطر)و( فورة التنور لكن نحن من يخرق في الموج السفينة).
وأوضح: أن الموت والكفَّ والقحط وخرق السفينة صور دالة على النهايات والنفاد اللذين برزا في هذه القصيدة بوصفهما ممثلين نفسيين لأمر يكرهه الشاعر بحسب إهدائه الذي ذكرناه، وكان لهيمنة بحر الرمل ودائرية الشكل أثر في التتابع النفسي لذلك الكره، ورافق هذا الكره للنهايات وصف للحزن الذي هيمن على القصيدة الثانية (حوار) التي اتخذت شكل الشطرين وبحر البسيط، فقد ورد الحزن ومقترباته اللفظية ثماني مرات في الأبيات السبعة التي ضمَّتها القصيدة. وواصل:ونحت القصيدة الثالثة (برقية اعتذار) منحى غرضياً واضحا؛ فكانت كليتها النصية كلية نظمية لم تقترب من الخلق الخيالي الذي يمتاز به الشاعر كاظم العبودي، وهذا الأمر يتكرر – على الأغلب – في قصائدة الغرضية الأخرى أو تلك التي تبنَّت ما يمكن تسميته بـ (الإخوانيات).
وأشار إلى أن القراءة الفاحصة لبعض نظم الشاعر تكشف أن الشاعر يرفض الخيال الشعري صراحة وهذا رفض موضعي فرضه موضوع القصيدة المنتمية للغرضية أو الإخوانيات أو المناسبات الوطنية والدينية فنراه يقول في قصيدة (ثواقب شعبان) التي يحمل استعلاؤها النصي إشارة إلى يوم الخامس عشر من شعبان المناسبة الدينية المعروفة: وأعذب ما في الشعرِ إن كان صادقا ولو شاع أنَّ الشعرَ أحلاه كاذبه ،ويقصد بالصدق في هذا البيت صدق الموقف وهو نفسه خطاب القصيدة في جميع أبياتها التي وضعت نفسها – بحسب ما أرى – بين النظم والشعر، فضلاً عن اتّسامها بائتلاف اللفظ للفظ ومعنى هذه السمة هي استعمال الشاعر للمعاني المختلفة ألفاظاً يناسب بعضها بعضاً ( يُنظر المعجم المُفصَّل في علم العروض والقافية وفنون الشعر: إميل بديع يعقوب، ص: 9) ومثال ذلك قول الشاعر:
هنا والندى أرخت شعاعاً كواكبه.. سلاماً بليل طال والهمُ راكبُه
هنا حيث أرسم والشراع مُتيَّم.. بكم إنَّما لا البحرُ لا الموج تاعبُه
نلحط أن البيتين ضمَّهما حقلٌ دلالي واحد هو حقل الطبيعة ( الندى و الشعاع والكواكب والليل والشراع والبحر والموج )والقصيدة تتحدَّث عن الاحتفاء بالمقدّس الذي مثّله يوم الخامس عشر من شعبان كما ذكرنا سابقاً، وورد بجوار الطبيعة لفظان اشتغلا مفتاحين لحقل آخر يزاحم حقل الطبيعة وهو حقل الحزن واللفظان هما (الهم والتعب).
وبين: ان قارئ القصيدة سيجد هيمنة لحقل الحزن المتجاور مع حقل الطبيعة وهذه السمة ملمح أسلوبي جمالي متكرر في أغلب قصائد المجموعة إن لم يكن في أغلب شعر الشاعر كاظم العبودي الذي نستدلُّ في خلاله على قدرة الشاعر في البناء الإيقاعي وتمكنه وإجادته في البوح الشعري المستند إلى البحور الخليلية وميله إلى القصيدة ذات الشطرين التي تُسمَّى خطأً في الأوساط الأدبية بالقصيدة العمودية؛ لأن القصيدة العمودية قصيدة مترجمة لمصطلح عمود الشعر ونظريته التي اجترحها المرزوقي، وامتازت –كذلك – قصائد الشاعر بابتعادها من الغموض وكان هذا الابتعاد غير مقترن بالمباشرة التي يرفضها – بطبيعة الحال – الشعر الرصين.



