عندما تنهض الحضارة .. سلام فرمانده .. سلام يا مهدي

بقلم / محمد علي السلطاني..
لم يتفق الباحثون والمختصون بعلم الأنثروبولوجيا على تعريف واحد شامل وجامع لكل معاني ودلالات مفهوم الحضارة، لذلك اقتبسنا أحد المفاهيم التي نعتقد بقربها من موضوع البحث، اذ عرفت الحضارة بأنها نظام، وبيئة اجتماعية، ومجموعة من المحاولات البشرية في التفكير، والاختراعات في مختلف نواحي الحياة، اقتصادية كانت أو سياسية أو ثقافية أو عسكرية، تهدف للوصول الى حياة أفضل، وبغية الوصول الى هذه الغاية، تستمر التفاعلات بمرور الزمن بين الإنسان الذي يمثل العنصر الأساس في هذا التفاعل، وبين المتغيرات الأخرى كالدين والعقيدة والبيئة الاجتماعية والطبيعة الجغرافية والعادات والتقاليد وانماط السلوك والمعيشة وغير ذلك، لتتفاعل جميعها منتجة بالتالي حضارة ذات خصائص وسمات تميزها عن الغير . ويعد الاستقرار ونمط المعيشة المدني، الرحم الطبيعي والمثالي لولادة ونشوء الحضارات، لما توفره تلك الظروف من بيئة آمنة ومستدامة للتفكير والتطور والابداع، اذ لم ينقل لنا التاريخ، ان ثمة حضارة عريقة ممتدة ومؤثرة ولدت في الصحراء، أو في مناطق مضطربة وغير مستقرة إلا ما ندر، لاستحالة توفر البيئة والظروف المناسبة لتشكيل الحضارة وبقائها وتطورها، فتلك ظروف طاردة، يعيش فيها الإنسان حالة الطوارئ والفقر والكر والفر. إلا ان لكل قاعدة استثناء، والاستثناء هنا وصل حد المعجزة!! ففي عمق جزيرة العرب، وفي وادي غير ذي زرع، وفي بيئة بدوية غرقت في التخلف والغزوات، واحاط القحط والجوع وشظف العيش بها من كل جانب، يقتات الناس فيها القد ويئدون النساء. من وسط ذلك البؤس والركام، انبثقت المعجزة ببزوغ فجر الاسلام، ليكون بحق معجزة في كل شيء، حيث استطاع النبي الأمي محمد “صلى الله عليه وآله وسلم”، بفترة وجيزة بما جاء به من شريعة ومنهاج، يحملان منظومة قيمية و عقدية و انسانية وثقافية وقانونية جامعة شاملة، ان يفجر من تلك البيئة المتحجرة حضارة غيرت وجه الدنيا، حضارة امتدت واثرت وغيرت حضارات تضرب جذورها في القدم، بفعل ما تملكه من كمال النظم، ورقي القيم، وتطور الفكر، وروحانية تلامس فطرة البشر . فكانت النتيجة في غاية الجمال والروعة، اذ امتزجت وذابت تلك الحضارات وأممها على اختلاف أجناسها والسنتها في بودقة الاسلام، لتولد حضارة من أروع الحضارات في تاريخ الإنسانية، التي لا يزال ارثها وتأثيرها ممتداً عبر الزمن . إلا ان تكالب الأعداء وتأمرهم الدائم، وتسلط الطغاة والمفسدين على مقدرات الأمة، واغتصاب حق آل رسول الله “صلى الله عليه وآله” في ولاية الأمر، أدى الى تراجع تلك الحضارة وانكفائها، وغياب مجدها، وانحسار دائرة تأثيرها، بعد أن تفرقت وتشتت الأمة الإسلامية الى طوائف وملل يكفر بعضها البعض، وبرغم كل ذلك التراجع، إلا ان حضارة الاسلام لم تمت، وبقيت محتفظة بمكامن القوة والنهوض، منتظرة القيادة والظرف الذي يفجر طاقاتها الكامنة. ولقد كان نشيد سلام فرمانده، تجربة عملية للاستنهاض، وصاعق يفجر مكامن القدرة والقوة لدى أجيال الأمة ليستنهضها من سباتها، فقامت تلك الحضارة كالعنقاء، نافضة غبار الزمن، مكسرة قيود الجغرافية، ساحقة بأراداتها وعزمها كيد الأعداء في افساد قيم الأمة وأجيالها، فكان صوتا مدويا همس في اذهان المسلمين بمشارق الأرض ومغاربها، لينشدوا جميعاً للموعد بصوت واحد … سلام فرمانده … سلام يا مهدي



