“الألواح”.. تجليات العشق العرفاني شعرياً عبر رقم طينية سومرية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد عدنان أبو أندلس، إن تجليات العشق العرفاني، كانت حاضرة بقوة في مجموعة “الألواح” الشعرية للشاعر الشيخ علاء المسعودي عبر رقم طينية.
وقال أبو أندلس في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي”: حين تواجهك العتبة الأولى في مجموعة “الألواح” تأخذك النظرة ذهنياً فجأة وللوهلة الأولى الى ألواح الكتابة السومرية من المنحوتات واللُقى التي نُقشت آنذاك من أديم هذه الأرض.
وأضاف: “وحين نمضي بالتقصي من مسميات أخرى؛ نرى كما قيل إن لعتبة العنوان التأثير الفعّال في اظهار الجمالية الفنية، أي انها التأطير الخارجي والمفتاح، هي أول ما تلاحظه العين، وآخر ما يتبقى عالقاً في الذهن، أي أنه سحر الكلمة الأولى المنطوقة والمرئية”.
وأوضح: “وإن أمضينا أكثر نلاحظ في بعض الأحيان، إن العنوان هو آخر ما يضعه المؤلف، إلا أنه أول ما يتلقاهُ القارئ”. وحتى يمكن تسمية دار “الروسم” من أن لها قيمة اعتبارية في بصمة التعاليق المشترك الذي حدث ربما مصادفة. فالألواح جمع لوح وهي على الأغلب لغوياً بالمعنى القريب صفحة من خشب أو رقم طيني أو حجز منحوت عليه، كتب عليه زمن لتأريخ حضارة رافدينية سادت ثم بادت.
وتابع: يأخذك التاريخ بعيداً ويتراءى الى ذهن المُتلقي لحظتها بـ اللوح المحفوظ ، وألواح التراث والموروث والمخطوطات. بهذا الاستهلال الذي قادني الى نبذة تعريفية تخص المجموعة الصادرة عن دار الروسم والتي تتضمن نحو 24 نصاً منها 10 ألواح و14 نصاً من الاقتباسات وتحتوي على 93 صفحة من الحجم المتوسط. هذه النصوص استلها روحياً من مناحي الحياة صوفياً ومعرفياً من الموروث والتراث والنص الديني وبتجليات عرفانية واشراقات روحية أرادها أن تكون في نقاء وصفاء ، ولكون تجلياته مُكثفة وبها مزيداً من الاشتغال، لذا أخذت نصاً من تلك الألواح ألا وهو “في وداع المعشوق” الذي يواكب رؤاه المختارة . لو تفحصنا وتوغلنا عمقاً في عنونة “العشق” هي من التعاشق ربما تشابك القلوب من فرط الحب، وكما في مسميات المتصوفة: “أن العشق أسمى شعور انساني يمر به المرء، من خلال تجربة عانى فيها من مكابدات روحية، أي فناء عن الذات أو الأنا، ان حقيقة المحبة أن تهب كلك من أحببت، فلا يبقى لك منك شيء”.. لقد رأيتها نهايات متسربلة في العشق حافلة في سياقات اعتبارية مفتوحة على امتداد التجلي والاشراق من التجليات والشطحات والعرفانية والمرموز الصوفي والمجازاة، وتتلخص بإرهاصات في التوسل والاذكار والتعاويذ والأحراز والمناجاة.
ولفت الى التيهان في رحاب حضرة المعشوق الذي هام وجداً كونه مغصوب الحرية ومسلوب الإرادة الفاعلة في الاختيار، فإرادة القرار هي مجبولة في النفس المتحررة، لكن برغم الحواجز النفسية التي سلبته حرية التعبير والتصرف والانطلاق قد يلاحظ بأنهُ جعلته متسامياً روحياً، فذاك العشق لما يبتغي المعشوق منه حتى سلمه لذائذ الروح
وبيّن: نرى هناك ثنائيات مجبولة في تطابق قرينتها وقد وظفها في المتن النصي، فكانت ألواحه العشرة بنيت بمعمارية أساسها رصين بالزهد والتقشف فكان لها التحليق بمدارات النفس الإنسانية بخفة جناح نحو سماء التمني المنشود لبلوغ غاية قصوى في تمسكه مما يخالجه من شعور خفي ثابت في وجدان عميق.
وأشار الى حالات التمني في نصوص الشاعر الذي ودع مبتغاه في حضرة المعشوق، كي يستمد منه الوجد والتصبر بصيغة الزهو الممهدة، هي الأمنيات الصغيرة التي طرزها من فيض وجدانه، لكنها تتلاشى حالما يكمل الحدث مبتغاه. برغم تحليقه بأجنحة عرفانية نحو الأثير إلا أنه كائن أرضي، أي مغرم بالتكوين الأرضي روحاً وصدى من مزامير تعزف في ذهنيته، فقد يرى المتلقي حشود من الفيض الوجداني في عنونة نصوصه الزاخرة بالعمق والراسخة ذهنيا منها: فيض من الصلوات، شظايا الروح، صلاة في حضرة الأعلى، هذا الكم المطروح في مخيلته أستولد منهُ: عالم الذر، سفر الملائكة ، موعظة العاشق ، رهبة القديس ، سدر السماء ، التسابيح ، التوكل ، الأذكار ، التعاويذ ، المناجاة ، الأقداس …وغيرها من مكنونات التجلي والأشراف الممهور بنصاعة ونقاء راسخين.
وختم: مع العرض بأن للشاعر عدة مؤلفات منها في النقد والسيرة، وكذلك مجاميعه تحمل مكنونات أرضية منهما تراتيل طينية والألواح، و”اثنان” علوية المزامير وشظايا الروح ـ إذن من خلال الاستقراء والاستبيان والتفحص، أراه في تيه ومعلق بين السماء والأرض، فإن كانت جاذبية الأرض فاعلة تسحبهُ اليها، والعكس كذلك، أتمنى له دوام النجاح وهو يرفل بجناح يحلّق به الى أقاصي البعد البعيد.



