ثقافية

التشكيلي أسعد فرزات يحاور السطوح التي يرسم عليها لوحاته

 

 إسماعيل كرك..

ربما تكون عبارة الشاعرة الإنجليزية كريستينا روسيتي: «لا أحد يرى الريح لكن عندما تنحني هامات الأشجار، نعرف وقتها أن الريح مرت من هنا» خيرَ مدخلٍ نَلِجُ من خلاله إلى عالم الفنان التشكيلي السوري أسعد فرزات، فأعماله الغزيرة والمتنوعة التي تُلخِّصها خمس مراحل، تجربةٌ رائدة تسير بخطىً واثقة لتوصلها إلى العالمية، وهذا ما يحدث بالفعل، فعمله الجديد والمتفرِّد الذي جَمَعَهُ مع الشاعر السوري نوري الجراح برهن على ذلك، من خلال التعاون على (تحبير) وتلوين المأساة السورية في العمل الفني المشترَك، الذي حمل عنوان قصيدة نوري الجراح (الخروج من شرق المتوسط) الذي أقيم مؤخراً في (غاليري أروبيا) الباريسي في الفترة الممتدة من العاشر من آذار/مارس إلى الخامس عشر من نيسان/إبريل 2022.

تحت عنوان/حكايا مصورة: الخروج من شرق المتوسط/ وعن هذه التجربة يكتب الناقد المعروف أسعد عرابي: «المعرض ثنائي يتحالف فيه – بصيغة نبيلة – اللون والكلمة. فيستلهم المصوِّر أسعد فرزات لآلئه التعبيرية المرسومة، من ثنايا قصيدة الشاعر نوري الجرّاح، التي لامستْ ونكأتْ الجرح السوري والنزوح العمودي إلى شرق المتوسط».

يتحدث أسعد فرزات أيضاً عن تجربته المختلفة: «لوَّحَتْ لي قصيدة الشاعر نوري الجراح «الخروج من شرق المتوسط» بيدها، فبدأتُ برحلة تشكيلية مختلفة ضمن فضاءات ورؤىً جديدة، بعد أن وجدتُ نفسي في رحلة بحرية على مَتنِ قصيدته ولم يَكُن ذلك سهلاً، لأنني أخشى البحر، ولأن ريحَهُ فرضت معادلتها بين موتين أحدهما أكثر إيلاماً من الآخر، فإما موتٌ «بلاستيكي» مكثَّفٌ وسريع، أو موتٌ بطيء في أرض بعيدة. في النهاية قرر كِلانا وصف الغريق!». فيما يكتب الشاعر نوري الجراح من لندن: «الألوان الصاخبة في لوحة الفنان هي الصرخة نفسها التي تركها الغريق في شراع القصيدة».

بخصوص تجاربه الإبداعية الثرَّة، فقد سبقت تجربة أسعد الجديدة في «الخروج من شرق المتوسط» أربع مراحل ناضجة ومتنوعة شهدتها الأعوام السبعة عشر الأخيرة أثناء رحلته مع لوحاته: ففي مرحلة الأسطورة التي أنجز فيها أعماله المختلفة في تفسير الأساطير كان قد رسم سكيتش الثور بأثداء أنثوية، ولوحة أنثى اللقلق الخصبة، ولوحة حصانٍ يرتدي بردعة أنثوية، وهو ما يعزز ارتباط أعماله بأنوثة الكون. في الأسطورة أيضاً، يقودنا أسعد إلى الرحم، المكان الطبيعي الذي تنمو فيه البذور، وإلى حيث يعود الموتى للتجدد والتجذُّر من جديد، في هذه الرؤية الكونية يتعلق الأمر بالمجتمعات الزراعية لأن مخاطر التدمير لم تكن بعيدة. هذه القدرة تدل على قوة شخصية لونه الذي يُكسبه طابع التأليه البصري، فيملأ اللوحة بانعكاسات ضوئية في أسفلها كما في أعلاها خارج الإملاءات الواقعية. في مرحلة التجريد يضع أسعد إحدى قدميه على منتصف سلم فاسيلي كاندينسكي وقدمه الأُخرى المتدلية في الهواء، على بهجة (لون الغسق) ليرى ضوءه المفقود مستخدماً ذبذبات لونه الأصفر بصيغته الأنثوية المريحة، لكنه يميل إلى خلط الأحمر المغربي بأصفر ينير لوحته من الأسفل إلى الأعلى، مُبرزاً كرمَ اللعبة اللونية المدهشة، ومُوَثِّقاً ما أشار إليه جان بول بويون، في تقديمه لمذكرات كاندينسكي سنة 1974 فيصف على لسان كاندينسكي كيف وُلدت التجريدية في أعماله، يقول كاندينسكي في مذكراته: «حاولتُ في اليوم التالي أن أجد ضوء النهار، وهو الانطباع الذي شعرتُ به في اليوم السابق أمام لوحتي، لكنني نجحتُ في النصف فقط. حتى إنني تَعَرَّفتُ من الجهة الجانبية باستمرار على الأشياء، وكانت تفتقر إلى ضوء الغسق الجميل، أما الآن فقد عرفتُ ما كان ينقص رسوماتي».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى