بيروقراطية الامتيازات وطيف شعب مات !

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي .
في الوقت الذي ترزح فيه المنطقة تحت وطأة ظروف سوداوية تنذر بالانفجار الشامل إثر تداعيات الحرب العدوانية لأمريكا والكيان على الجمهورية الإسلامية وبينما يواجه العراق واقع تواجده في قلب هذه التداعيات والصراعات الإقليمية التي تلتهم الأخضر واليابس وبينما يعيش أفراد الشعب رهن أزماتهم المزمنة تصر الطبقة السياسية لدينا على العيش في فنطازية البيروقراطية الطوبائية وكأنهم في كوكب معزول . إن ما يحدث في العراق ليس مجرد خلل إداري بل هو استهتار بمشاعر الملايين وخيانة للأمانة التي يتشدقون بها في كل محفل . أرقام تُهين الفقراء من رواتب فرعونية في بلد منخور بالفساد من قمة الهرم حتى القاع . بأي منطق أو دين أو قانون تُصرف هذه الرواتب الخيالية للرئاسات والوزراء والنواب فضلا عن رواتب تقاعدية من دون استحقاق هي بحكم السُحت الحرام بالتمام ، نحن أمام طبقة أصبحت إقطاعية سياسية بامتياز بينما يلهث آلاف الخريجين وراء عقد عمل براتب زهيد ويصارع العامل لتوفير لقمة العيش نجد المسؤول العراقي غارقا في امتيازات تفوق ما يحصل عليه قادة الدول العظمى . أرتال من مواكب السيارات المصفحة والحمايات التي تغلق الشوارع بوجه أصحاب السيادة الحقيقيين (الشعب) وكأن المسؤول يسير في أرض معادية لا في بلده الذي يدعي خدمته . صراعات على المناصب والدرجات الخاصة لا لتقديم برنامج إصلاحي بل لضمان حصة من كعكة الامتيازات والمخصصات الخيالية التي لا تنتهي .. لا ندري إلى متى تستمر هذه الفضيحة والمهزلة في عراق منهوب وشعب متعوب .. ألم نتعظ بسيرة من نقتدي بهم من آل البيت عليهم السلام في الزهد والنزاهة واذا أردنا درسا قريبا فلنأخذ من الجار الزاهد
ولا نذهب بعيدا . لننظر إلى الجارة إيران فالمسؤول هناك يدرك أن هيبة الدولة لا تُصنع بزجاج السيارات المظلل وأصوات صفارات الإنذار التي تحيط بموكبه وأعداد أفراد الحماية. وزير الخارجية هناك يتنقل بسيارة نوع طيبة بسيطة صناعة وطنية وتواضع جم بلا صخب ولا جيوش مسلحة . رئيس الجمهورية رغم منصبه الرسمي والأكاديمي وتأريخه السياسي يمارس حياته ببساطة تصل لحد استخدام الدراجة الهوائية ويتجول بين المواطنين مشيا على الأقدام . المرشد الأعلى للدولة الاقوى في الشرق الشهيد منهم والحي يسكنون في بيوت متواضعة أسوة بالفقراء .أين هذا من أباطرة المنطقة الخضراء الذين لا يتحركون إلا بكتائب عسكرية تقطع أنفاس المدينة في عراق الغرائب حيث نصطدم بين عدالة علي عليه السلام التي يدعي البعض انتسابه اليه وبذخ المدعين . هنا تكمن القسوة الحقيقية في السؤال هل أنتم شيعة علي حقاً ؟! تستحضرون اسمه ومواعظه في الخطابات وتحفظون حكايات عن زهد آل البيت صلوات الله عليهم لكنكم في السلوك أبعد ما تكونون عن نهجهم . الإمام علي الذي كان يرفق بالفقير ويأكل خبز الشعير لم يبنِ لنفسه قصورا ولم يُحطْ نفسه بمواكب تحجبه عن أنين الفقراء والأرامل واليتامى . إن ادعاء السير على نهج آل بيت المصطفى يتطلب زهدا في المنصب وتضحية بالامتيازات لا تحويل ميزانية الدولة إلى نثريات خاصة بالرئاسات وحواشيها . إن الفجوة بين ما تدّعون وما تفعلون هي نفاق سياسي لا يمكن السكوت عنه إلى ما لانهاية . أخيرا وليس آخرا نقول كفى استنزافا لكرامة العراقيين . إن هذه البيروقراطية المقيتة والامتيازات الفاحشة هي القنبلة الموقوتة التي ستنفجر يوما ما . لا يمكن لبلد أن يستقر وثرواته تُبدد على بريستيج المسؤولين بينما بنيته التحتية متهالكة وشبابه بلا مستقبل . ارفعوا حواجزكم ، قلصوا رواتبكم الأسطورية وانزلوا إلى الشارع بلا حمايات إذا كنتم حقاً تؤمنون بما تقولون . كفى استعلاءً سواء من شيعة علي عليه السلام كنتم أم من أهل السنة الذين يدعون انتسابهم لعمر بن الخطاب ويتفاخرون بعدالته .. للأسف إن التأريخ لن يذكر منكم إلا مقدار ما أكلتم من أموال السُحت الحرام وما نهبتم من أحلام هذا الشعب المظلوم . والسلام ..



