اراء

كيف يُحيي الخليجيون يوم القدس العالمي؟

 

بقلم/عباس الجمري..

 

من المنطقي جداً أن يُطرح تساؤل في أذهان المهتمين بإنجاح يوم القدس العالمي في دول الخليج مفاده: هل تكون هذه المناسبة السياسية ذات الطابع المقاوِم هذا العام كما كانت في السنوات الماضية؟

هذا السؤال يُطرح في ظلِّ معركة الوعي الخليجي، والتي تجري بافتعال مقصود من قبل بعض الأنظمة لتحسين صورتها وهي تقيم علاقة مبتذلة وغير مسبوقة -عربياً- مع الكيان الصهيوني؛ فحين تقبض السلطات السعودية على أحد المعتمرين بتهمة أنه “دعا الله في البيت الحرام بتحرير المسجد الأقصى”، وحين تشارك الإمارات باستعراض جوي في ما أسماه الإعلام الإماراتي الرسمي “ذكرى قيام إسرائيل”، وهو يوم النكبة العربية، فحينذاك يكون سؤال: كيف يكون شكل يوم القدس العالمي ومضمونه؟ سؤالاً منطقياً فعلاً، ليس مع المطبعين في الخليج فحسب، بل مع بعض من يدعون مقاومة التطبيع بشكل مخملي أيضاً، في الوقت الذي تغيرت ظروف العلاقة مع هذا الكيان اللقيط.

شعبية يوم القدس العالمي في الخليج

قبل أن نلج إلى معالجة الشكل المختلف لعلاقة بعض الأنظمة مع الكيان المؤقت، وأيضاً قبل قراءة شكل “مناهضة التطبيع”، لا بدَّ من تأسيس عتبة تصلح لفهم المشهد الخليجي إزاء القضية الفلسطينية، وخصوصاً يوم القدس، فمشاركة مختلف التيارات في هذه المناسبة التي دعا لها مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية الإمام الخميني من منطلق ديني وسياسي، واهتمام التيارات المتباينة بهذا اليوم، يعكسان اهتمامهم بالقضية الفلسطينية بشكل عابر للأطر، وقيام هذه التيارات بإحيائه، بالتعاون مع التيارات الدينية، ينبئ بأنَّ القضية المركزية ما زالت محور القضايا؛ ففي الخليج، يشارك الناصري واليساري والديني سنياً وشيعياً في هذه المناسبة، إلا من توارى لأسباب أمنية معروفة ومفهومة، حتى قبل التطبيع العلني مع الكيان المحتل.

ويسترعي إحياء يوم القدس العالمي اهتمام قطاعات واسعة من المجتمعات الخليجية، لكن تتفاوت طرق الإحياء ودرجات التفاعل بطبيعة الحال؛ ففي الكويت وعمان، يتم الإحياء غالباً في أماكن مغلقة. وفي القطيف والبحرين، يخرج المشاركون في تظاهرات غالباً ما تُقمع. المهم في الأمر أن السنوات الماضية كانت تدل بصورة جلية على أنَّ الاهتمام بالقدس وفلسطين هو الركيزة التي تنطلق منها مشتركات هذه الأمة.

العلاقة الرسمية مع “إسرائيل” ويوم القدس العالمي

 في معرض إحياء المناسبة التي تقام في آخر يوم جمعة من شهر رمضان، ثمة متغير جليّ، هو علاقة أنظمة خليجية مع الكيان المؤقت بشكل مندفع جداً، الأمر الَّذي يثير عدة استفهامات: هل تتعامل الأنظمة مع هذه المناسبة بتطرف وقمع ومصادرة أكثر من السابق؟ وهل يمكن تصوّر إصرار الناس على إقامتها؟ وكيف تكون شكل الفعاليات مع هذا الاحتدام المحموم في توثيق العلاقة بين الطرفين؟

 

هذه الاستفهامات تُطرح في ظلِّ تخوف أمني على المشاركين في إحياء المناسبة، وخصوصاً أنْ لا شيء سيوقف الأنظمة عن قمع المعنيين، فلا يوجد فيتو غربي على إسكات مناهضي التطبيع، إضافةً إلى أنَّ الظرف الدولي وما يجري في شرق أوروبا يغطي على أيِّ حدث هنا وهناك.

المناهضون المخمليون للتطبيع

في سياق مناهضة التّطبيع عموماً، وما يترجمه يوم القدس العالمي خصوصاً، ما دور المؤسسات والأشخاص الذين حملوا لواء مناهضة التطبيع –مشكورين- منذ اتفاق “أوسلو”؟

منذ ما سُمي بـ”معاهدة السلام” بين “إسرائيل” والسلطة الفلسطينية، تحرك عدد من السياسيين وغير السياسيين، أبرزهم من اليسار العربي، لتأكيد أحقية القضية الفلسطينية، وشددوا على مناهضة أي تطبيع مع الكيان الصهيوني.

إذا كان الزمن الواقع بين الستينيات والتسعينيات زمناً جميلاً في الحس العربي الرافض لنسيان القضية الفلسطينية، يجمع على إثره المتصدون للتطبيع -في الخليج- الأموال وغيرها لإرسالها إلى المقاومة الفلسطينية، فإن هذا الحسّ تماماً هو ما ينبغي أن يحييه الخليجيون.

صحيح أنَّ ثمة تشدداً دولياً على التحويلات المالية، وصحيح أيضاً أن أميركا وسعت مفهوم الإرهاب كثيراً خلال العقدين الماضيين، لوصف أي نشاط يخالف مصالحها بـ”العمل الإرهابي”، لتتم معاقبته مباشرة وتجميد موارده، إلا أنَّ ذلك لا يمنع تنشيط الحس الذي يحرص على دعم المقاومة الفلسطينية بشتى صور الدعم، بل إنَّ ذلك التشدد الدولي ينبغي أن يدفعنا إلى كسره، لأنَّ أحد أهم أهدافه هو احتواء المقاومة في فلسطين ولبنان، وهو ما يجب أن يفشل بأي طريقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى