«سلالة العجاج»: سيرة البدو والمدن

عبد السلام العبوسي..
«سُلالة العَجاج» لمحمد المطرود سردية روائية تمزج بين الواقعي والشعريِّ عبر مكاشفاتٍ تنحاز لبيئتها المكانية من حيث ارتكازاتها البنائية، لكنها تفتح مسارب مائية شفَّافة عبر أرضٍ بِكر وسفوحٍ بَوار، وتقدم للمتلقي إحالات جريئة إلى المسكوت عنه، والمرهون لواقعه الاجتماعي والسياسي، هذا الواقع الذي ظلَّ لعقودٍ طويلة ومريرة يخنق فيها الإنسانُ أحلامه، ويدفن دماملَه الروحية، حتى لحظة الانفجار الأخير، ولربما ما نقرأه هنا هو دأب صاحب السيرة على تقديم نصوص مفتوحة ومفتونة بدمج السرد بالشعر، أو العكس، ولعلّه ينجح كثيراً في الاثنين رغمَ لغةٍ مكثفة وغير مسرفة، تصل درجةَ الصنعة.
ثيمة الذئب التي يستهل بها محمد المطرود سرديَّة البدويِّ الذي انفرد عن سياقات القبيلة، وراح يؤثِّث فضاءاته المحاذية في هامش مرصود من الحرية، ومقام مُريب لجدلية المألوف والمُبتَكر، التي كان فيها السارد من بواكير ثمار الغواية الآسرة في (جنة) مملوكةٍ ومسيَّجة بالنار والحديد والدم، وما دخولهُ بهذه الجرأة إلا تعبير منطقي عن ابتلاء روحه بتلك الحمولة من الآلام والآثام، وكذلك معانقة روح الاختلاف في الكتابة.
لقد بقيت لحظة اكتشاف اللذة الأولى في حياته محرِّضاً له على اختراق الشهوة المقدّسة، ابتداءً من شرارة الاحتكاك بالذات، ومروراً بـ(عَيدون) التفاحة الأولى في شجرة الحب الطريد، وليس انتهاءً بفتيات النهر السابحات، حيث ثياب الساتان تلتصق بأجسادهن البضَّة، بينما يستسلم هو للسباحة في خياله على جناح الخطيئة المشتهاة.
ومنذ عتبة نصه الموسوم بـ»سلالة العَجاج/ وسم البدو وأنا، النهايات والساعة الإضافية» يقف القارئ على رؤوس أصابعه وهو يتحسس قلقه، ويحرث في مسارات مَهيبة تشكِّل فيها هذه الافتتاحية بؤرةَ المجاز الأوّلية التي تفضي إلى تشظِّياتها المتوقَّعة، وغير المتوقعة، في بيئةٍ تنطوي على أهلها برتابةٍ قُدِّرَ لها أن تكون مزمنة، لولا أنَّ صقوراً بين ظهرانيها تحاول خرق آفاقها واكتشاف مجاهيلها كلما سنحت الفرصة.



