ثقافية

الركود يفرز أسوأ ما لدى صُناع السينما المصرية من أفكار

 

اكمال القاضي..

في فترات الركود تفرز السينما المصرية أسوأ ما لدى صُناعها من أفكار، ويختلط الجد بالهزل في كيمياء التأليف والإخراج والتمثيل، فما يعتبره البعض كوميديا هو في الأصل محض إفلاس لا تؤدي نتائجه إلى إثبات شيء إبداعي يُذكر، اللهم إلا إذا اعتبرنا تامر حسني ممثلا وصاحب بصيرة في الكتابة السينمائية، عندئذ يمكن التسليم بأن فيلم «البدلة» الذي تفتق ذهنه عنه فأبدع في اختلاق فكرته، هو نوع من تسهيل الكتابة للمؤلف الحقيقي أيمن بهجت قمر، الذي كتب السيناريو ووضع لمساته الدرامية والكوميدية، ليُصبح الفيلم ماركة مُسجلة باسمه على الورق، قبل أن يتسلمه المخرج محمد جمال العدل، فيُكسبه طعم السينما بمكوناتها الجاذبة الفاتحة لشهية الجمهور التجاري، الذي لا يفرق بين الغث والسمين، في ظل اهتمامه بما يقتل وقت فراغه ويخلصه من رتابة التكرار اليومي والروتين الحياتي.

الفيلم الذي احتشدت فيه كل عناصر النجاح لم يكن يُمثل سوى صورة ركيكة من صور الإسراف الإنتاجي، لتوظيف فكرة سطحية وباهتة، مفادها اللعب على جاذبية التعلق بالبدلة الشرطية الرسمية، وبيان تأثيرها السحري في فتح الأبواب المُغلقة أمام من يرتديها ويختال بها، بوصفها جواز مرور يساعد على قضاء المصالح المُستعصية، ويُكسب صاحبها هيبة ووقارا ويجعله عنصراً متميزاً في نظر المجتمع. وسواء كانت هذه الافتراضية تُمثل ظاهرة اجتماعية عامة في المُجتمعات الأقل حظاً، في الفكر والوعي، أو عرضا خاصا تُشير إليه السينما من باب لفت النظر، ففي الحالتين لم يقدم الفيلم ما يُثير الاهتمام على مستوى المُعالجة، حتى إن بدت الحالة كوميدية مُنبتة الصلة بالهدف والرسالة والمعنى المُشار إليه.

الغريب أن الحالة الدرامية المُفتعلة تمت المحاولة لتفعيلها بمختلف الطرق والوسائل والحيل بلا جدوى، فلم يفلح الأداء الكوميدي للثنائي تامر حسني وأكرم حسني، في خلق نموذج حقيقي للفكاهة، وكذلك فشلت ألاعيب إقحام البعد الرومانسي بين تامر وأمينة خليل في الأحداث، لأن هناك الكثير من الحلقات المفقودة في علاقة الزمالة القديمة بين طرفي الحكاية، ومن ثم لم يكن التقارب المفاجئ بينهما مُقنعاً بالشكل الكافي لتصديق المسألة العاطفية.

كما أن دخول شخصية ماجد المصري على الخط الدرامي، بوصفه زعيم المافيا المُطارد من البوليس، لم تُضف ما يقوي الأحداث، بل على العكس زادت من الضعف والاستخفاف بالمحتوى والمضمون، حيث تعدد الأفكار بالشكل المُتهافت في إطار واحد يخلق بالطبع حالة من الترهل ويُضعف الحبكة الدرامية بطبيعة الحال. إن ما يؤكد عدم قدرة النص المكتوب على إقناع المُشاهد بصدق الحكاية الكوميدية، أو مجموعة الحكايات والحواديت غير المُتجانسة، هو اللجوء إلى إظهار شخصيات كثيرة من المشاهير في مجالات مختلفة للدعم والتعزيز وإنقاذ الفيلم من الفشل، وهو اعتراف صريح بعدم القدرة على إتمام الأحداث وصياغتها درامياً، بما يتفق مع المنطق الفني، وليس المنطق التجاري المعمول به من غير تمييز لخدمة شباك التذاكر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى