الحرب تفرض واقعاً جديداً على المنطقة وتعيد حسابات العراق بخصوص الاقتصاد الأحادي

بعد أزمة تصدير النفط وغلق هرمز
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
مع اقتراب الحرب التي شنها التحالف الصهيو أمريكي على الجمهورية الاسلامية الايرانية من نهايتها عبر مسار تفاوضي يُجرى في باكستان، تبدو المنطقة أمام مرحلة إعادة تقييم شاملة ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي بل الاقتصادي ايضاً، حيث كشفت هذه المواجهة عن هشاشة نماذج اقتصادية قائمة على مورد واحد وعن قوة نماذج أخرى استطاعت امتصاص الصدمات عبر تنوع مصادر دخلها.
وفي ظل هذه الظروف وجد العراق نفسه أمام واقع سيئ في الجانب الاقتصادي، فبلد يمتلك واحدا من أكبر الاحتياطات النفطية في العالم ما يزال يعتمد بنسبة تتجاوز تسعين بالمئة من إيراداته على هذا المورد الوحيد، الامر الذي يجعله عُرضة لكل تقلبات السوق العالمية والازمات السياسية والاقتصادية، فكل انخفاض في أسعار النفط او كل توتر إقليمي ينعكس مباشرة عليه ، بالإضافة الى ارتهان هذه الثروات بالإرادة الامريكية التي تتحكم بتفاصيلها مما تسبب بتلكؤ في موازنة الدولة العامة وعدم قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها أمام حقوق الشعب.
الحرب الاخيرة في المنطقة ، أثبتت أن الدول التي اعتمدت على تنويع اقتصادها استطاعت الحفاظ على استقرارها النسبي وخير مثال على ذلك كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية رغم شدة الازمات والعدوان عليها بقيت صامدة وقوية من خلال تنويع مصادر دخلها وتحقيق الاكتفاء الذاتي، بينما بقيت الدول الريعية تعاني اختلالات حادة في ميزانها المالي نتيجة إغلاق مضيق هرمز، وهذا ما يضع العراق امام مسؤولية تأريخية لإعادة صياغة نموذجه الاقتصادي بعيداً عن الريع النفطي والارتهان الامريكي .
ويرى مراقبون أن الحكومة القادمة مطالبة بأن تضع هذا الملف على رأس أولوياتها من خلال تبني استراتيجية واضحة تقوم على محاور اساسية عدة أولها إصلاح القطاع النفطي نفسه عبر تطوير البنية التحتية وزيادة كفاءة الانتاج وتقليل الهدر والفساد اضافة الى إعادة النظر في العقود بما يضمن تحقيق أعلى منفعة ممكنة للاقتصاد الوطني دون الارتهان للضغوط الخارجية.
كما شددوا على ضرورة التخلص من الهيمنة الامريكية وسيطرتها على هذا الملف الحيوي والمهم ، ووضع خطط ودراسات وفق أسس علمية رصينة وليس الاكتفاء بالشعارات مع بداية كل حكومة والانتهاء بواقع مُزرٍ لم يُفعَّل على أرض الميدان .
وأشاروا الى أن تفعيل القطاعات غير النفطية التي بقيت لعقود مهمشة رغم ما تمتلكه من إمكانيات كبيرة فالقطاع الزراعي في العراق يمكن أن يكون ركيزة اساسية لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتوفير فرص العمل إذا ما تم دعمه بالتكنولوجيا الحديثة والبنى التحتية المناسبة كما أن القطاع الصناعي يحتاج الى اعادة إحياء حقيقية عبر تشجيع الاستثمار المحلي والاجنبي وتوفير بيئة قانونية وامنية مستقرة
وفي ذات السياق أكد عضو مجلس النواب مختار الموسوي في حديث لـ” المراقب العراقي ” أنه يجب أن تُفعَّل الجوانب الاقتصادية غير النفطية من اجل النهوض بواقع البلد ، مبيناً أن القطاع الخاص يمثل حجر الزاوية في أي عملية تحوُّلٍ اقتصادي ناجحة غير أنه في العراق ما يزال يعاني تحديات كبيرة تتعلق بالفساد والبيروقراطية وضعف التمويل وغياب التشريعات الداعمة له” .
وأضاف أن” أي عملية إصلاح اقتصادي تتطلب إرادة سياسية حقيقية تتجاوز الشعارات الى خطوات عملية تفتح المجال أمام المبادرات الفردية والشركات الناشئة للمساهمة في بناء اقتصاد متنوع” .
كما لفت الى أن ” تنويع مصادر الدخل لا يقتصر على الزراعة والصناعة فقط بل يشمل ايضا قطاعات السياحة اذا ما تم استثمارها بشكل صحيح خصوصاً أن العراق يمتلك مقومات سياحية دينية وتأريخية كبيرة قادرة على جذب ملايين الزوار سنوياً، مشددا على ضرورة اختيار قيادات كفوءة قادرة على إدارة هذا الملف بعيداً عن المحاصصة الحزبية التي أثبتت فشلها في تحقيق اقتصادي قوي”.
ويجب على العراق – حسب ما يرى مراقبون – الاستفادة من دروس الازمة الاقليمية الاخيرة والانطلاق نحو بناء اقتصاد أكثر توازناً واستدامة ، بعيداً عن السياسات التقليدية القائمة على ردود الأفعال بدلاً من التخطيط الاستراتيجي.



