أعمال التشكيلي سومر الهنداوي.. أشكال يحكمها التراصُّ والتماسُك

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد جاسم عاصي أن التشكيلي سومر الهنداوي وسّع دائرة رسوماته ومنحوتاته، وقرّبها من منظورين الأول: منظور من يعيش معهم على صعيد الحياة في المهجر، والثاني: وفق فيه مثل هذه الصياغات لتقترب من المتلقي الآخر في الوطن.
وقال عاصي في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي”:إن فعالية أي نص حروفي أو بصري يغتني بما يمتلكه المنتج من بنية فكرية؛ خاصة وشاملة. ونقصد بالخاصة، ما يتعلق بحيثيات وممكنات إنتاج النص، وبالشاملة ما يُعين النص على النهوض باقتدار، فالامتلاء الفكري يُحقق بنية جمالية خالصة، وبالتالي يوفر حراكاً ذهنياً عند المتلقي، أي استجابة ثقافية فالنص الذي لا يتحاور مع متلقيه، محكوم عليه بالموت وفشل التحقيق لمبرر إنتاجه، لذا يمكننا الجزم بأن أي تقنية مرهون وجودها وتطورها بما هو مستحصل فكرياً.
وأضاف: ولعلنا في هذا نعني به فحص لوحات الفنان سومر الهنداوي على طريقة وأُسلوب مدرسة (الجشتالت) فقد منحتنا النظرة الشاملة مثل هذا الاستنتاج الذي أقرَّ لنا حقيقة تلك العلاقة المنظور إليها من باب انتماء النصوص البصرية هذه إلى حاضنتها، فالمتن الفكري قادر على فتح الآفاق الممكنة أمام المنتج، لأنه يستخلص الحقائق المتعلقة بالبنى المتعددة، فمن باب البنية الاجتماعية، نجد متعلقا لإنتاج مجموعة ظواهر، طرحها الفنان بكيفيات متعددة ومدروسة ومتقنة فالأشكال لا تعاني من زوائد سردية بصرية، بل يحكمها التراص والتماسك، وتركيز ممكنات التعبير، وخلق جدلية الفحص البصري.
وأشار الى أن اشتغال اللوحة في هذا الضرب حقق حواراً حول ما يتضمنه جدار اللوحة. كذلك ما توفر من حوارات تنتمي إلى البنية الفلسفية. فثمة فيوض خلق جدل فلسفي، لاسيما تواؤم الأشكال المتمثلة للجسد، فالفنان لم يُبق الأجساد على سكون دائم كنموذج في لوحة، إنما وفر لها حراكاً يخلق جدلاً في هذا المضمار. ولعل بقية البنى ارتكزت ـ كما سنقرأ ـ على حوار دائم ومتجدد. وتجدده ناتج من امتلاك المنتج والمتلقي لمثل هذه المُعينات، التي تُديم الصلة بينهما على نحو حوار وجدل مستمرين، لأنها مرتبطة بكشوفات جديدة على غرار المقولة.. أنت لا تدخل النهر مرتين.
وتابع :أن ما نعنيه بالعلاقة بين السرد والتقنية الفنية؛ هي مجموعة أنساق تضع محتويات اللوحة وفق نمط المنظور السردي. بمعنى ثمة حراك لظواهر مرموز لها بمجموعات من الأشكال، تعتمد التقنية الفائقة الجمال أساساً لها. وهذا يضعنا إزاء مضامين يمثلها السرد باعتباره يُخبرنا عن أشياء تشغل أمكنة. هذه الأشياء أو الأشكال تتجاوب مع بعضها بعضا دون التخلي عن أُسس التقنية، أي التوازي السردي، فليس من شكل دون حمولاته، التي بالإمكان التشبث بها لمعرفة الدال والمدلول بصيّغ متنوعة حاملة لعناصر الدهشة. ومنها الألوان ودهشتها من منطلق التجاوب مع القرين، فليست هناك مسافة فراغ في المعنى بين هذه الصياغات، بل ثمة أُلفة لونية وخطية ونحتية.
وواصل : لعلنا في هذا نُدرك مساحة الفكر التي تتداولها الأشكال في اللوحة، فلما كان هناك سرد تصويري، فهنالك دوافع تُنظّم هذا النسق. وهو ناظم ينتمي إلى الفكر الذي لا يقف عند حدود اللوحة، وإنما ينفتح وفق تجاوب المتلقي البصري. من هذا نؤكد على أن جدار الفنان ينتمي إلى التنوع في حركة البنية الفكرية. فالأشكال تُجري تحاوراً ذاتياً باستمرار مع المتلقي البصري وتلك حسنة تجدد مهمة توفرت عند الفنانين الرواد والمحدثين، في كونهم ذوي ثقافة عالية، استلهموا هذه الخاصية من احتكاكهم بالآخرين أثناء دراساتهم أو استقراهم في المهجر.
وأوضح : أن الفنان سومر كان ضمن هذا الكسب الفني، الذي وسّع دائرة رسوماته ومنحوتاته، وقرّبها من منظورين الأول: منظور من يعيش معهم على صعيد الحياة في المهجر، والثاني: وفق فيه مثل هذه الصياغات لتقترب من المتلقي الآخر في الوطن. فهو لم يتعإلى تقنيا على جيله، بقدر ما أغنى تجربته، وحرك حمولاته الفكرية لصالح التعبير عن الوجود في الداخل، وفي الوقت نفسه وازن الأمر مع وجوده بين فنانين كبار وذوي تجارب متنوعة في المهجر.
وبين :أن هذا الغنى في التجربة لا يمتلكها الفنان لذاته، وإنما وظف ما رأى وتعلم لصالح الفن العراقي. تماماً كما فعل الفنان جواد سليم في منحوتاته، حيث توّجها في نصب الحرية الخالد.
ولفت الى أن تزيين جدران العمارات بمنحوتات الفنان سومر في المهجر، تعني الكثير من الاعتبارات، وأولها حالة القبول لأعماله النحتية، ليس لأنها تعبر عن مكنونات الواقع هناك، بل إنها وكما نرى جازمين؛ تعبر عن حالات وظواهر إنسانية بتقنية عالية الدقة، وحِرَفية منفتحة على مدارس النحت، ومنها مزاوجة الموروثات كما فعل النحاتون العراقيون ومنهم محمد غني حكمت، الذي ترك لنا ثراء نحتيا معبراً عن تاريخ وواقع ومرويات وأساطير عراقية، ترقى إلى العالمية من باب المرويات الإنسانية.



