ثقافية

“ستاريكس”.. تصوير المشهد العراقي في تحولاته وأمزجته

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد طالب عمران المعموري أن الروائي علي لفته سعيد إستطاع في روايته ستاريكس تصوير المشهد العراقي في تحولاته المختلفة وامزجته ومرجعياته الثقافية بمختلف شرائحه ان يجمع شخوص روايته في مكان واحد سيارة نقل أحد عشر راكبا نوع “ستاريكس”.

وقال المعموري في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي”: غدت الرواية اليوم أرضاً خصبة لتوظيف العديد من الخطابات التي يدعمها الروائي المبدع مع بعضها ما يتوافق ورؤيته للحياة والمجتمع بغية التواصل مع غيره، يتجلى ذلك من خلال نصها المغري وبنائها الفني وجماليات محيطها الثقافي ومحتواها الفكري ، يستطيع القارئ استيعاب خضم الحياة في فترة زمنية محددة بقضاياها المطروحة واشكالياتها .

وأضاف : أن الروائي(علي لفته سعيد ) يقوم في روايته (ستاريكس) الصادرة عن مؤسسة ابجد للترجمة والنشر والتوزيع،ط1 ، 2022 بتشكيل سارد يكون اداته التي يستعين بها لإداء عملية القص فهو يتوسط بين المؤلف والحكاية الروائية يكون على عاتقة ايصال العالم الروائي (المسرود) الى المتلقي (المسرود له).

وتابع: تمكن الروائي بما يمتلكه من قدرة على تصوير المشهد العراقي في تحولاته المختلفة وامزجته ومرجعياته الثقافية بمختلف شرائحه ان يجمع شخوص روايته في مكان واحد سيارة نقل احدى عشر راكبا نوع (ستاريكس)، حاول ان يجمع عينة عشوائية غير متجانسة باتجاهات وثقافات واعمار مختلفة بكلا الجنسين عبر مفارقات عديدة يطرح لنا قضية مظاهرات تشرين ،المعترضين والمؤيدين وردود افعال الشارع ، فهو يوثق هذه المرحلة واظهار المسكوت عنه والذي قد يفوت المؤرخ .

وأوضح :جاءت عنونة الرواية “ستاريكس” على اسم نوع من السيارات دخلت الى العراق بعد 2003 تلك العتبة التي توجه وتغري المتلقي لاطلاع على المتن الروائي ومن ثمة فحوى الرسالة المراد ايصالها من قبل الروائي وقد يكون عنوان توهيمي يمارس مكره اللغوي والدلالي اذ لم يتبادر لذهن المتلقي الاسم يدل على نوع من السيارات الا من بعد الدخول الى نص الرواية والذي يحمل في طياته بعدا زمنيا و مكانيا مغلقاً كما في استهلال نص الرواية لحظة انطلاق السيارة :

(تحركت السيارة ذاتُ الاحدَ عشر راكباً من مرآب المدينة في اللحظة التي يجلس فيها رجل ستيني العمر كآخر راكب….)2 ص5.

وبين :انسكبت لغة الرواية سائغة بسيطة مباشرة مرسلة شبه عفوية وطلاقة خالية من التأنق المفرط يطّعمها الكاتب باللغة العامية حاملا في ذاتها رؤية معينة لعل السبب في ذلك عائد الى رغبته في تعرية الوقائع وفضح الواقع ، عَبْرَ راوٍ عليم (السارد) بكل شيء يجول في دواخل شخصياته الروائية بما هو ذات عارفة بفعل نفسي داخلي مع الزمن وبتقنية تعدد الاصوات، يسترجع الاحداث التي عاشها متأملاً الحاضر ومحاولا استشراف المستقبل الذي يجهله ، بأسلوب درامي يوصل الى الغاية الادهاشية، فهو الذي يطلعنا على مجريات الاحداث وتنامي الشخصيات وفق نظام محدد لا يلغي كونه بنية من بنيات النص شأنه في ذلك شأن الشخصيات والاحداث والامكنة والازمنة غير انه “يبقى العنصر الاهم الذي يقوم بتفصيل مادة الرواية الى المتلقي بشكل خاص”3.

وواصل :حاول السارد منذ البدء ان يفرض رؤيته الخاصة بالمكان فصور لنا السيارة من الداخل ووضع الشخصيات الجالسين في مقاعدهم وهيئاتهم واعمارهم وثقافاتهم وقد يلمس القارئ ان السارد واحدا من الشخوص الفاعلة ومشارك كأن يكون احد ابطال الرواية و يكون شخصية من شخصيات الرواية يتقمصها ومن الذكاء لدى الراوي وتحسب له اذ استطاع تقمص الجنس الاخر في العمل بمختلف الاعمار(طفلة ، شابة، عجوز) من خلال سارد متكلم.

وأكمل :يطلعنا السارد على مجريات الاحداث وتنامي الشخصيات وهذا ما يجعل موقعه مهما فهو الفاعل في عملية البناء الروائي لأنه يعطي للغة دلالاتها، ويمنح الالفاظ والعبارات معانيها والسارد يتحدث بلسان شخوصه في الوقت نفسه الذي يفسح فيه المجال ويترك لها فرصة التحدث بنفسها عن نفسها دون ان يتخلى عن وصف ما تقوم به وما تفكر فيه بين الحين والاخر.

وأشار الى انه عند التأمل في نصوص الرواية نلاحظ احيانا ، تبتعد رؤية السارد عن رؤية المؤلف وتعلقت برؤية الشخصيات ففي هذه الحالة يزداد مستوى صوت الشخصيات وتتعالى لهجاتها لتصبح هي المعبرة عن نفسها والواصفة لخلجات صدرها والمعلنة عن افكارها والمبررة لأفعالها عن طريق الحوار لذلك تحظى الشخصيات بحريتها وتكسر طابو السلطة التي بين عقلها ولسانها وتتخلص من كل سطوة تصادر افكارها ومنطقها فتحس بأنفاسها وتتحكم في تصرفاتها .

وختم : أن السارد أولى اهتماما وعناية تامة بشخصياته التي جاءت صورها مشحونة من خلال نظرته الخاصة مثلا يقدم لنا شخصية الشيخ ويرسم ملامحها  وقد استثمر الكاتب كل طاقاته الابداعية وتجربته الروائية ليجعل منها نصا مميزاً

عبر سارد فاعل في عملية البناء الروائي الذي يجسد المبادئ التي ينطلق منها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى