سينما عربية أخرى.. الرقابة الشعبية تُغلِّظ العقوبة للتأديب

كمال القاضي..
على مدى العقود والعهود لم تتوقف الاشتباكات بين السينما المصرية والمُجتمع، حيث العلاقة بين الطرفين تتسم بالحذر، وعدم الثقة في كثير من الأحيان، فالسينما من جانبها تخشى ردود الأفعال الشعبية والجماهيرية إزاء خروجها عن النسق المألوف، وتجرؤها على طرح قضية ما تمس الثوابت الاجتماعية، أو تتعرض لها بالنقد، وعلى هذا لم يرض المُجتمع عن أداء السينما الرضا الكامل، فالثقة من جانبه محل اختبار وشك وتهديد، وعادة ما يلعب المجتمع المحافظ دور الرقيب القاسي الذي يُمعن النظر والتدقيق في المحتوى الفني والإبداعي، آخذا في المقام الأول بمقاييس الشكل قبل الجوهر، وهو ما يُمثل مُعطيات الأزمة في كل الأحوال.
وقد تلجأ السينما إلى مبدأ التملق الاجتماعي في كثير من الظروف ليس من باب الخوف الرقابي وحسب، وإنما من باب الحرص على بقاء النوع السينمائي وتفادي الضربات الاقتصادية، التي من شأنها تعطيل الصناعة وإضعافها لفترة طويلة أو تشويهها بما يؤثر في فقدان الثقة بالكامل، وهناك حالات كثيرة في هذا الصدد لم تكن أزمة الأخلاق وحدها هي البطل الرئيسي في المعركة، لكن تمثل الممنوعات خطوطا حمرا حقيقية، لا تستطيع السينما تجاوزها، حتى إن سمحت بتجاوزها الرقابة القانونية المعروفة بالرقابة على المُصنفات الفنية، وكم من نماذج سينمائية مختلفة كانت سبباً في إشعال الفتنة بين السينما كوسيط والجمهور كمُتلق.
ولنذكر فقط الحالات القريبة الدالة على اضطراب العلاقة بين الطرفين المذكورين، وإن بدت متميزة في قليل جداً من الأوقات، فعلى سبيل المثال فيلم «ناجي العلي» الذي استقبله الجمهور المصري استقبالاً سيئاً للغاية لاختلاف في وجهات النظر السياسية حول شخصية رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، وآرائه السياسية الصادمة، التي لم ترق لأصحاب الحملة الصحافية الشرسة التي دُبرت في ليل، وأدت إلى تهييج الشارع المصري ضد ناجي العلي كشخصية محورية للأحداث، ونور الشريف بطل الحكاية النضالية، علماً بأن الكثيرين ممن تبنوا الموقف الرافض لم يُشاهدوا الفيلم!.
كذلك جاء فيلم «سكر بنات» للبنانية نادين لبكي مُترجماً للأزمة بين المُشاهد التقليدي، الذي يقيس العمل الإبداعي من زاويته الشخصية فيقبل منه ما يوافق ثقافته وآراءه ويرفض ما يتعارض معها، وهذا الفيلم آثار ضجة استمرت طويلاً ورفضت بعض الجهات الثقافية في مصر عرضة خوفاً من البلبلة وإثارة الرأي العام.
وبالمقاييس نفسها تم التعامل مع فيلم «دنيا» للمخرجة اللبنانية جوسلين صعب عند عرضه في القاهرة، وكالعادة تعرض الفيلم لهجوم عنيف، احتجاجاً على الرؤية التي حملت نقداً اجتماعياً لبعض السلبيات، فهناك ثمة حساسية لدى جمهور العوام من المصريين تجاه التمويلات الخارجية، حيث يحدث دائماً ربط بين الصورة السينمائية الناقدة أو السلبية، ونية الممول، فالشكوك تحوم حول العملية الإنتاجية وتساور بطبيعة الحال المُتلقي، الذي لا يثق في معظم المًصنفات الوافدة، اللهم إلا إذا برهن صُناعها على سلامة قصدهم في التعبير عن رؤاهم، شريطة أن لا يكون هناك تعارض واضح في وجهات النظر، وهو ما حدث مع فيلم «باب الشمس» على سبيل المثال.



